جلال برجس: الكتابة الروائية فن خطير والكثير من الروائيين يستعجلون في النشر سعيًا إلى الجوائز…

من دراسته لهندسة الطيران الحربي تعلّم كيف يبني ويصمّم جناحين للتحليق، وكيف يرسم خريطة النجاح في سماء رحلته ومسيرته، ومن عمله الصحافي تعلّم كيف يحاور ذاته وكيف يترجم مخيّلته إلى لغة ويستنطق الصور فيها، وكيف يبني من كلّ حدث وموقف حكاية واقعية فيها من الخيال المقنع ما يجعلها تصل بصدق إلى قلب القارئ. وعلى الرغم من أنّه لم يضع الجوائز الأدبية هدفًا، إلّا أنّها عرفت الطريق إليه بمجرّد أن فاح عطر الدهشة من كتاباته. يسعدني عبر منبر مجلّة ناريمان أن أجري هذا الحوار مع الشاعر والروائي الأردني جلال برجس.

ناريمان علوش.

  • بعد مسيرة روائية حافلة بالجوائز والنجاحات، صار الوصول إلى القمّة بالنسبة إليك فنِّا له أدواته.. ومع كل وصول  تزداد الطريق طراوة. ما هي الزوادة أو الأدوات التي تجعل ذلك الطريق برأيك سهلًا وممتعًا. وهل النجاح يجذب النجاح؟

 

لم تكن الجوائز يومًا هدفي من وراء الكتابة، لأنّ لحظة الكتابة هي لحظة غامضة على الصعيد الشخصي، وبالتالي مع مرور التجارب وتكرارها في الكتابة ومعاينة الذات، حتى لو كان من خلال ما يحيط بنا، وحتى لو تطرّقنا إلى موضوعات ومستويات لا تخصّنا، أصبحت أدرك على الصعيد الشخصي أنّ الكتابة هي  ذهاب إلى إحداث فعل التوازن.. التوازن أمام ماذا؟ أمام هذا العالم المرتبك، هذا العالم الذي بتنا نرى فيه الكثير من الموازين تختلّ للأسف الشديد، ونرى فيه الإنسانية في حالة تراجع كبير. أمّا الجائزة فهي في النهاية تكريم للكتاب والكاتب، لكنّها ليست المطاف الأخير ولا النقطة القصوى التي يسعى إليها الكاتب. أنا دائمًا أقول إنّ الجائزة الكبرى هي القارئ، وحينما أتحدّث عن القارئ كجائزة كبرى لأيّ كاتب، لا أتحدّث عن الشهرة ولا عن الذيوع، إنّما أتحدّث عن تلك الطرق التي من خلالها يمكن للكلمة أن تصل، وبالتالي إذا وجدت هذه الكلمة مكانتها لدى القرّاء في هذه المرحلة التي نجد فيها أيادٍ كثيرة تحاول دفع الثقافة إلى الوراء ووضعها على الهامش. وبناءً عليه إذا نصرنا  الكلمة فنحن ننصر إنسانيّتنا، وبالتالي ليس لديّ خلطة أو وصفة جاهزة فيما يخصّ الجوائز. لكن ما أعرفه أنّني في لحظة الكتابة أكتب، أعيش هذا العالم سواء كنت أكتب الرواية أو غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى، فأنا أعيش في هذا العالم بكلّ جوارحي، وبالتالي إن نالت الرواية جائزة فبالتأكيد هو أمر خير لي ويضيف لي الكثير من البهجة والسرور لأنّني أعرف أنّها ستصل إلى القارئ

 

  • هل برأيك الروايات التي تحاكي الواقع أقرب إلى ذوق القارئ من تلك التي تهرب منه؟

القارئ في هذه المرحلة لا يريد تلك الرواية  التي تتشبّه بآلة التصوير وتنقل له التفاصيل كما هي، بل على العكس.. هذا الواقع يريد أن يعرفه القارئ وأن يعيشه بكل أفراحه وأوجاعه وأحلامه وطموحاته وانكساراته، وبناء عليه هو يريد تلك الرواية التي تخرج عن الواقع وتفكّكه بأدوات الواقع نفسه، وهذه كانت سابقًا إحدى مهام الواقعيّة السحريّة، وهذه المدرسة السرديّة التي مضى عليها زمن ما زالت صالحة حتى اليوم، ولكن في هذه المرحلة ظهرت ملامح سردية جديدة، ملامح أولى لمدارس جديدة تحاول أن تتعاطى مع الواقع بأدوات الواقع نفسه، وبالتالي نشعر انّنا أمام نصّ يتحدّث عن الواقع لكن فيه الكثير من الخيال المقنع، وهذا أيضا فيه خروج ومحاولة لتجاوز الواقعية السحريّة.

  • كم كان لكتابتك السيرة الروائية(نشيج الدودوك) دور في مساعدتك على العبور نحو ذاتك؟ وهل وجدتها أم ما زلت تبحث عنها؟

بالنسبة لنشيج الدودوك هي تجربة مهمّة جدّا في حياتي، وحين شرعتُ بالاشتغال على هذا الكتاب لم يكُن في بالي أن أنشره في يوم من الأيّام. دائمًا أقول إنّ الكتابة هي فعل توازن، وفعل خروج عن الكثير من العقبات التي تتواجد في حياتنا، أكان على الصعيد الشخصي أو العام. ففي مرحلة من مراحل حياتي شعرت أنّه يجب عليّ أن اقف أمام ذاتي وما كان لهذا الوقوف أنّ يتحقق إلا من خلال العودة إلى بدايتها، وبالتالي كان عليّ أن أتطرّق إلى الطفولة والقراءة والكتابة والسفر… فقد وقفت أمام الكثير من الأسئلة التي كانت تؤرّقني، وبالتالي، الكتابة دفعتني إلى معرفتها والإجابة عليها. وبطبيعة الحال سيطّلع عليها الكاتب ويتفاعل معها لأنّ القراءة ليست حالة متابعة فقط، بل هي إعادة كتابة للنص ولكن بأدوات القراءة. إذن نشيج الدودوك صنعت لي مرآة شاسعة لأرى نفسي وأحدث هذا التفاعل معها معها، وأجيب عن الأسئلة. كما أنّ هذا الكتاب لا يعتبر كتابًا ذاتيًّا يتحدّث عن جلال برجس فقط، بل عن أيّ إنسان يقارب هذه التجربة ويجد نفسه فيها.

  • ما هي برأيك نقاط ضعف معظم الروائيين اليوم وبماذا تنصحهم، وبخاصة هؤلاء الذين يطمحون بالحصول على إحدى جوائز الرواية؟ كما وأطلب منك أن توجّه نصيحة وكلمة خاصة للمشاركين في جائزة دار ناريمان للرواية العربية ؟

لا أدري ما إذا كنت في موقع يؤهّلني لتقديم النصائح والإرشادات، وبخاصّة للروائيين الذين يطمحون للحصول على الجوائز.. ليس هناك من خلطة يمكن اعتمادها لكنني سأقدّم نصيحة حول الكتابة.. إنّ الكتابة إن لم تكن صادقة ونابعة من عمق أعماق دواخلنا الإنسانية،، أنا أرى أنّه على الكاتب أن يؤجّلها وألّا يدفع بها إلى القارئ، ففي هذه المرحلة يصدر الكثير من الروايات، وبالتالي هناك الكثير من الخيارات أمام الكاتب، سواء على الصعيد الكلاسيكي أو  على صعيد هذه المرحلة التي نعيشها، فبناء عليه، إن لم تكن الكلمة الروائية صادقة، على الروائي ألّا يقدّمها او لا يُسمعها للقارئ. على الرواية أن تكون نابعة من الأعماق، لأنّ الرواية في هذه المرحلة اختلفت تمامًا عمّا كانت عليه في المراحل السابقة، الرواية في هذه المرحلة أصبحت شرفة واسعة لا نهاية لها للكثير من أشكال الفنون والآداب، وفي المقابل هي صورة مصغّرة عن الحياة، لذلك هي فنّ خطير ومهم، وأنا أرى أنّ الكثير من كتّاب الرواية يستعجلون في الكتابة والنشر سعيًا إلى الجوائز، وذلك سيوقعهم في الكثير من الأخطاء وسيجدون أنّ الرواية لم تنل حقّها وأنّها لم تصل إلى القرّاء، لأنّه كما قلت لكِ، الكاتب لديه خيارات كثيرة وهو يريد الكلمة الصادقة.

أمّا للمشتركين في جائزة دار ناريمان للنشر فأقول إنّ الجوائز في المحصّلة هي بوابة إلى القارئ، هي ترشيح للكتاب والكاتب وبالتالي هذا من شأنه ان يوسّع دائرة القراءة، ويعلّي من نسبة القراءة في العالم العربي، فالجائزة أمر مهم وأحيي دار ناريمان للنشر على مبادرتها في أن يكون لديها جائزة، نتمنى أن تكون مخرجاتها جيّدة وموضوعية، وأن تضيف إلى المكتبة العربية ما هو جيّد وغني.

  • إلى ماذا يطمح جلال برجس اليوم وما هو الأفق الروائي الذي يصبو إليه ؟

لا أدري إلى ماذا أطمح فيما يخصّ الكتابة ، كلّ الذي أعرفه أنّني حينما أجلس إلى طاولتي وأكتب، أشعر بتوازن كبير، وبأنّي أشارك في صياغة هذه الحياة على نحو معرفي، ثقافي، فكري وجمالي، وبالتالي هذا من السؤال من الصعب الإجابة عليه، فكما قلت لكِ لا الجوائز ولا الشهرة، ولا كلّ هذه المسائل هي من طموح الكاتب، إنّما هي تلك اللحظة السريّة التي يشعر فيها الكاتب حين يتفاعل مع نصّه، وينعزل لساعات يصارع فيها عالمًا يعتقد الآخرون أنّه عالم خياليّ، لكنّه في حقيقة الأمر هو عالمنا الذي ما زال يسعى إلى الإنسانية والتوازن. لذلك الكاتب غير راضٍ عن الكثير من المسائل وبالتالي إذا وصل إلى تلك المرحلة من الرضى عن ذاته وعمّا يحيط به، حينها أعتقد أنّه سيتوقّف عن الكتابة

  • الكتابة تحتاج دائما إلى لغة خصبة وينابيع متدفقة من المعاني الولّادة. كيف تغذّي هذه اللغة، هل من القراءة فقط أو مشاهدة الأفلام مثلا أو الاحتكاك بالناس وافتعال المواقف والتجارب و…. ؟

الكتابة بشكل عام وبالأخصّ الكتابة الروائية بحاجة إلى محيط من اللغة، وهذا المحيط لا يتشكّل بين ليلة وضحاها، بل منذ مرحلة الطفولة، وهناك مجموعة من العناصر التي تشكّل هذا المحيط… مشاهداتنا اليومية، تأمّلاتنا، تلك المنطقة السرية المتواجدة في دواخلنا، والتي يمكن من خلالها التقاط الكثير من المسائل التي تجعل شجرة اللغة في دواخلنا خضراء ويانعة، ولها ظلّ وأثمار، ومن ثمّ القراءة، قراءة الكتب الجميلة التي تمّ الاشتغال عليها بوعي واهتمام كبير، بكل تأكيد هي ستساهم في اتساع هذا المحيط من اللغة، والعنصر الأهم هو الممارسة اليوميّة للكتابة في مختلف مستوياتها، هي التي ترسّخ وتركّز هذه اللغة، لأنّ الابتعاد عن مخزوننا اللغوي، سواء في الكتابة أو القراءة أو الممارسة، سيجعل هذا المخزون يتكلّس في النهاية.

  • هل الروائي العاشق قادر على توقيد مشاعر الحرف أكثر من الروائي الباحث عن الحب؟ وأيّ روائي منهما جلال برجس؟

 

الإنسان بطبيعته عاشق، سواء كان مهندسًا أو روائيًّا أطبيبَا…. لكن الكاتب أو الأديب هو الأكثر حساسيّة في مسألة اللغة، لانّه يرى أنّ هذه المفردة هي الأقدر على التعبير عن دواخله، او بالأحرى الأقدر على التحايل على الخلايا العصبيّة لدى الإنسان، وبالتالي يُمكنها إيصال هذه الصورة إلى القارئ ليعيش تلك اللحظة حتى ولو بنسبة ما، أمّا  عن سؤال من أنا بين هذين الصنفين، فأنا إنسان محبّ للحياة بكلّ تفاصيلها وعناصرها، فأنظر لها دائمًا بحب كبير وأعوّل على أنّ الحب هو الجبهة الأخيرة التي يمكنها أن توقظ إنسانيّتنا وتجعلها في حالة من الاستمرارية.

  • ختاما أشكرك لأنك اقتطعت لمجلة دار ناريمان جزءا من الثلاث ساعات التي لا تملك غيرها في يومك مع التمنيات لك بالنجاح الدائم.

شكرًا لكم وتحياتي.