مهرجان السلام لقصيدة النثر في إيران

 

قبل أن تصلني الدعوة من قبل الشاعر الدكتور جمال نصاري للمشاركة في مهرجان السلام لقصيدة النثر، لم أكن أعرف عن الجمهورية الإيرانية إلا القليل.. منه ما حمله لي الإعلام بميله للاتجاهات السياسية التي تعكس مصالح القيّمين عليها والتابعة لهم، ومنه ما ارتشفته من قصائد شاعر الشعراء الفارسي حافظ الشيرازي والذي كنت أسمع نداءه قائلاً:”لا تصدقي الإعلام يا صغيرتي.. ولا تقرأينا إلا من خلال القصيدة والقلب”. فقرأت ذلك البلد وذلك الشعب من خلاله واستوقفتني الكثير من القصائد والأقوال حول نظرته الأخلاقية إلى الوجود والتي تعبّر عن فكر وحضارة شعب إنساني وراقٍ.
ومن هذه الأقوال:
واقعٌ أنا في حب كل كنيسة ومسجد ومعبد وأي مكان مقدس لأني أعرف أنه في كلٍ منها هناك من يناجون إلهً واحدًا بأسماءٍ مُتنوعة. – حافظ الشيرازي

وصلتني الدعوة ووقعت في حيرةٍ من أمري.. ماذا ينتظرني يا ترى؟! هل إيران هي ساحة الحرب والصواريخ الإرهابية تلك التي أطلقتها علينا وسائل الإعلام؟ أم أنها القصيدة الناعمة التي رسمها لنا الشيرازي؟

لم أستطع أن أحسم أمري إلا بعد أن استمعت إلى صديقتي الشاعرة السورية ريما محفوض والتي كانت قد شاركت سابقا في المهرجان عينه وكانت مدعوة للمشاركة فيه للمرة الثانية . فقالت لي:
“سأعود إلى عبادان مرة ثانية لاسترجاع قلبي الذي تركته هناك في المرة الماضية”.
لمست من خلال حديثها تعلّقها بتلك الأرض وذلك الشعب فتحمّست للمشاركة واتخذت قراري.

وصلت إلى مطار عبادان بعد رحلة متعبة نوعا ما، وعلى الرغم من الصقيع وبرودة الطقس لم أشعر إلا بنار المحبة تنسكب بين أضلاعي.

بعد أن وصلنا إلى الأوتيل والتقيت بالدكتور جمال الذي كان منهمكا بالتحضيرات لكي يكون كل شيء لائقا بضيوفه القادمين من مختلف الدول العربية، كانت صديقتي ريما تنتظرني لنتشارك معا الغرفة وأحاديث ما قبل النوم التي تعوّدنا عليها دائما حين تزورني في لبنان، وأوّل ما قلته لها:
” شكرا لأنك شجعتني على المشاركة فأنا سعيدة جداً بقدومي إلى هذا البلد الجميل”.

ريما:
“لم ترين شيئاً بعد يا صديقتي، فأنا متأكدة أنك ستتركين قلبك هنا أيضا وأنا ربما سأفشل في استرجاع قلبي.”

تحدّثنا عن الرحلة وكنّا متعبتين جدا حتى غفونا على أمل شروق القصيدة.

كان برنامجنا يبدأ في العاشرة صباحاً بندوات ومحاضرات حول العديد من المواضيع منها عن قصيدة النثر وعن كتابات الهايكو كما كان هناك حفلات توقيع لكتب بعض الشاعرات منهم صديقتي الشاعرة ريما محفوض والتي تم ترجمة كتابها إلى الفارسية والشاعرة عبير شرارة من لبنان وقعت أيضا إصدارها “فلفل أسود” ووزعته على الحضور.

بعد كل ندوة كان هناك لقاء مع الطبيعة للتعرف إلى جمالها ونقاء مناخها ولطف أهلها.. لم أصدق أبدا أن هناك على هذه الأرض شعباً بهذه الطيبة والشفافية والبراءة والصدق وفعلا أعني ما أقصده وليس للمجاملة فأنا لا أتكلم بلسان الإعلام بل بنبض الحرف والقلب.
وأكثر ما لفتني هو جمهور الشعر هناك، فبعد كل أمسية كان يتهافت علينا الجمهور لالتقاط الصور والتعبير عن إعجابهم بنا و محبتهم لنا حتى شعرنا وكأننا نجوم على كوكب غريب يشبه صباحاً أبديّا.

ربّما أحتاج الكثير من الوقت والحبر كي أستطيع أن أحكي عن كل لحظة عشناها بدءا من المهرجان واهتمام الدكتور جمال بكامل التفاصيل التي نحتاجها وخوفه علينا وتأمين كل سبل الأمان والحماية والراحة لنا.

في اليوم الأخير لن أنسى سهرة الوداع حيث دعانا أحد أصدقاء الدكتور جمال للسهر في منزله فلبّينا الدعوة أنا وصديقتي ريما وبعض المشاركين في المهرجان من تونس والعراق والذين تشرّفت بالتعرف إليهم وإلى قصائدهم وفكرهم الجميل.. تلك السهرة حفرت في قلبي نبضة خالدة شعرت حينها أنني وسط أهلي وأخوتي وأن الأوطان هي تلك التي تسكن روحك وتضيء قلبك.

لم نحصد الكلمة فقط، بل علاقات صداقة عربية شدّت أواصر القلوب والأرواح.. تودّعنا بغُصّة والدمعات برقت في عيوننا واعدة أن تجفّ على ضفة لقاء قريب.

 

ناريمان علوش