رواية “لن ينقطع الوتر” لأحمد دهيني ، رواية خارقة و صعبة في آن معا !…
أنطوان يزبك

هذه الرواية و أعترف بصراحة ؛ أرهقتني و حرقت أعصابي و اخترقت مسام وعيي و أرّقتني . هي بالفعل والقوة والمعنى والمبنى رواية خارقة !
رواية من عيار ذهبي على قيراط ماسيّ الجوهر زمرديّ المظهر ، وهي عصيّة على أن تصنّف ففيها كل شيء ، كل عصور السينما وكل عصور الرواية وكل الأساليب وكل أرواح الروائيين الراحلين والذين على قيد الحياة ! أجل هم هنا يبحلقون بعيون من غادر سطور الكتب و سكن في متاهات روايات البرتو مورافيا ، و رصد كاميرات أفلام بازوليني و لوحات بوتيتشيلي …
هي رواية ثريّة في كل شيء , تخال وأنت تقرأ أنّك تعيش في عصر و أجواء رواية ” العراب ” لماريو بوزو ، وحكايات سلالات عصابات المافيا و الإجرام المنظّم ، فتشعر أنّك في مساحة فيلم هوليوودي لا تبارحه ، حتى يأتيك الخبر من الكاتب دان براون في رواياته : (شيفرة دافنشي) و (الجحيم ) و (شياطين و ملائكة) .
كما هناك أيضا و بقوّة حضور روحاني : طيف الكاتب والفيلسوف الكبير اومبرتو إيكو لأن موضوع الرواية يفتح موضوع الجمعيات السرية التي تحكم إيطاليا والعالم بأسره خاصة منظمة( جينتي انتليجنتي) التي هي مزيج من المافيا أو الكامورا ، والماسونية والنورانية Illuminati و الكوزا نوسترا ، إنه وبكل بساطة حكم العصابات والسياسة الفاسدة ، فنغوص في دردور المجتمع الإيطالي وما يخفيه من فساد و جريمة منظّمة ، و كأن إيطاليا تنافس لبنان على استضافة نقابة الإجرام العالمية :
Syndicat du Crime mondial
ولكن الكاتب و ببراعة ضابط إيقاع أو مايسترو ، لا يحصر الرواية في هذا الإطار فحسب بل هناك أيضا قصة حب أسطورية شبيهة بقصة روميو و جولييت تنشأ بين بطليّ القصة :
لورنزو و فيرونيكا ، حيث يسطّران أسمى المعاني والأحاسيس القلبية في حوارات شيقة بلغّة راقية وبليغة فيها عطور من الأدب ونزهات من العشق ورقيّ المشاعر وقدسيّة الحبّ والعواطف ، يتخطى الكاتب ذاته ويضع القارىء في روايات معطرة بماء الزهر
Des Romans à l’eau de roses.
تشبه أجواء روايات بربارة كارتلاند و بيار روفايل و إحسان عبد القدوس و دانيال ستيل و نورا روبرتس و غيرهم ، نفحات رومانسيّة تشهد للحب وتجسّده بأفضل صورة .
لا يترك أحمد دهيني أي موضوع إلا ويتناوله في هذه الرواية ؛ إنها صورة حيّة عن المجتمع الإيطالي الحديث والصراع بين اليمين واليسار والمنظمات السرية الإرهابية في ما بينها والثورات التي واجهتها الحريّة والتحرر والتقدّم و كسر أغلال العبودية التي ترسف فيها الطبقات الفقيرة بسبب الطغاة و لكنّها في الحقيقة وجه آخر للعملة كان مخفيّا بسبب براعة المافيات و تجذرها في المجتمع الإيطالي .
و لا يبخل الكاتب بأفكاره الفلسفية واللاهوتية على القارىء ، فها هو يقدّم مطالعة شيّقة عن مفهوم الله بين الفلاسفة رينيه ديكارت ، و باروخ سبينوزا و أيضا بليز باسكال في الصفحة 109.
تزخر الرواية بمثل هذه المقارنات والمقاربات ، و هذا ما يرفعها الى رتبة عالية جدا بين الروايات العظيمة ، و تتفوّق حكما على الروايات التي تكتفي بالسرد الرتيب الممض الى درجة الملل والنفور .
من الملفت أيضا في هذه الرواية استحضار شخصية عالم و فيلسوف و شاعر وموسيقي ايطالي عاش منذ خمسمائة عام هو البرتو كانتابيلي الذي عاش علاقة حب عاصفة مستحيلة و ممنوعة مع أماندا ميديتشي سليلة آل مديتشي حكّام إيطاليا من ذوي النفوذ والبطش ، و يبدو هنا أن العاشقين من الماضي البرتو و أماندا سوف يتقمّصان في لورينزو و حبيبته فيرونيكا في عصرنا الحالي !
هذه المتوائمات العلائقيّة تذكّرنا بقصة قصيرة لجبران خليل جبران عنوانها : ” رماد الأجيال والنار الخالدة ” ، تدور أحداثها في مدينة بعلبك ، تحكي عن حبيبين تتناسخ أرواحهما عبر العصور ، بدءا من العصر الروماني و حتى القرن التاسع عشر ويعودان فيلتقيان بعد قرون من الإنفعال في مدينة بعلبك بين آثار قلعتها الشهيرة .
هذا ربما ما حصل مع ألبيرتو كانتابيلي و أماندا ميديتشي فشعلة حبّهما الخالدة ؛ عادت وتأجّجت بين الحبيبين لورينزو وفيرونيكا ولكن مع الأسف الشديد ، حوربت هذه العلاقة من قبل الجمعية السريّة التي تتحكم بكل شيء في ايطاليا و أيضا من قبل محامي عائلة فيرونيكا المدعو لوتشيانو بروتو الطامح إلى الشهرة والنفوذ من خلال الاقتران بفيرونيكا وهو ظلّ إبليس الرجيم و ممثله على الأرض ، نستشفّ من إسمه لوتشيانو جذر “لوكي لوكتيس” أي النّور وهو إسم أمير النور الشيطان لوسيفوروس ، و إسم عائلته بروتو يذكّرنا أيضآ بإسم بروتوس الذي غدر بمربيه و وليّ نعمته القيصر الروماني و قام و طعنه شرّ طعنة …
يقول المستنير غوتاما بوذا :
” كلّ قوّة لا يكون مبعثها القلب تكون ضعفا ، لا تُفرض الحقيقة بالقهر ، فالقوة سلاح من هم على خطأ “…
هذا تقريبا محور هذه الرواية ولن أكشف المزيد منها تاركا للقارىء أن يطالعها بجديّة و يتبحّر بكل التفاصيل الغنيّة المشغولة بعناية و التي تقدمها للقارىء بتوليفة ذكيّة و لائقة بالأدب و فنّ الرواية .
و أكرر من دون مبالغة : لم يترك أحمد دهيني موضوعا إلا و ذكره في هذه الرواية وكأنّه بيدبا الفيلسوف يحكي لنا عن كل جوانب حياتنا الماضية و المعاصرة ، وفي الصفحة 170 يتناول التعصّب والتطرف الديني ويحكي أيضا عن المنظّمات الدينيّة الإرهابيّة المتعصّبة التي شوّهت الدين الإسلامي الحقيقي ، كما يستفيض في الكتابة عن كرة القدم الإيطالية و كيف نخرتها المافيا . و أرى أحمد دهيني في سنوات الفتوة مأخوذا بحلقات كابتن ماجد الكرتونية على التلفزيون ، و قد عمد الكاتب إلى توسّل الدقّة في وصف مباريات كرة القدم و شدّ القارىء الى تشويق الملاعب وحماسة المباريات .
ومن المواضيع التي يتناولها أحمد دهيني ذلك الموضوع الذي تقشعر له الأبدان ، عن سرّ الموت والانتقال إلى العالم الآخر في صفحة 196 ، الموضوع الذي يتحدّث فيه الكاتب عن اللحظات التي تأتي مباشرة بعد أن يموت الإنسان وما يختبره في :
Near Death Experience
حين تخرج الروح من الجسد وتبدأ تراقب وهي تحلّق من علوّ ؛ ماذا يحصل في الأسفل والنّاس و هم يتحلّقون من حول الجثة ، و كأنّ الشخص يتردّد بين الرحيل الى العالم الآخر أو العودة الى الحياة على وجه الارض ، هذا الاختبار القريب من الموت حصل حين خرجت روح لورينزو من جسده ثم عاد الى الحياة الى جسده المحطّم بسبب حادث مروري مرعب .
رواية غنيّة و شيّقة كما لا أنفكّ أردد ، بكلّ ملاحم الحياة تعرّي الإنسان و تفضح جوانب نوازعه و غرائزه ، الخير و الشرّ فيه، الحياة و الموت ، الحبّ و الكراهية ، خسارة الإنسان النقي أمام المرتكب المجرم الخبيث ، هزيمة المؤمن أمام الملحد الكافر الخالي من الإنسانية والأحاسيس والمشاعر ، هذا ما حاول لورينزو كتابته من خلال ملحمة “محاكمة الإله ” شرع في مشروع تأليفها في الصفحة 282 …..
وبعد … ماذا عساي أقول في هذه الرواية ، التي تشرق فيها إيطاليا و تاريخها العظيم و عظمتها ولكن شحنة الحزن فيها كبيرة و مؤلمة .
منذ نصف قرن حين بدأنا نقرأ ال photoroman فوتو رومان ، الإيطالي في لبنان وتعلّقنا بالقصص المصورة فوتوغرافيا و بأبطالها ، أذكر جيدا العدد الأول من هذه المجلات وتحديدا مجلة (ريما ) وكانت القصة بعنوان :
“فينيتزيا كم هي حزينة في عينيّ ”
أما اليوم فبعد قراءة هذه الرواية صارت كل مدن إيطاليا حزينة في قلبي وعينيّ و روحي على الرغم من جمالها الطبيعي الأخّاذ و حضارتها الفريدة الأصيلة ! ….
دار ناريمان