الوطن والجسد في شعر دخيل الخليفة…
بقلم الناقدة المغربية د.خديجة كربوب

إن إحساس الشاعر دخيل الخليفة بالفقد والاغتراب لم يدمّر لديه إمكانية البحث عن فضاءات جديدة تعمل على تحقيق التعويض النفسي والكشف عن مصادر الظلم والتسلط بطرق جمالية.فالفقد يكشف لنا رؤية وجودية وفكرية بالغة العمق، تجمع مابين الذاتي وصوت الجماعة الإنسانية .ولعل عدم قدرة الشاعر على اختراق الوضع السياسي غير الواضح والفاقد لقيم المواطنة والتعايش هو الذي دفعه الى تثوير فكرة الفقد والبحث المستمر عن الهوية والانتماء والتعبير عن رفضه للواقع الموبوء .أي أنه طرح موضوع الفقد بصيغة أكثر عمقا، وأبان عن سلبية خطاب السلطة عبر لغة شعرية منفلتة من المألوف والقمع والصمت، ومارس كل آليات الهدم والبناء في عالمه الشعري، إذ لم يعد الشعر هو إرضاء للمتلقي والثقافة الرسمية بل أصبح عند الشاعر مرادفا للحياة والحرية والوجود والجمال .
ويبقى سؤال الشاعر عن الهوية والجسد غير المكتمل والفقد والاغتراب في نصوصه الشعرية ليس سؤالا عابرا بل هو نابع من الذات وتجربتها مع المكان.وتصبح الكتابة الشعرية هي كتابة الذات، والبحث عن الاستقرار والتماسك، وتقوية الروابط بالأرض التي تحتضن الأسرة والطفولة والذاكرة والمستقبل .ويمكن تصنيف هذا الموضوع الى محورين هما :
-الذات والجسد :ان الذات الشاعرة خصصت حيزا للجسد وهي لاترغب في تقديمه بطريقة ايروكية بل تناولته كمكون جوهري في التعبير عن الكينونة والتشظي والاحساس بالفقد والبتر الموجع ,فمفردة الجسد في نصوصه الشعرية تنفتح على العديد من الدلالات ,وتحرك القراءة في اتجاه مسالك متعددة ومتنوعة .ان الشاعر دخيل خليفة منح للذات مجالا خصبا وأبرز المناطق المجهولة والمسكوت عنها وسكب مائية شعرية وأثار العديد من التساؤلات في أفق التلقي .ومن ضمنها كيف تمثل الشاعر الجسد ؟وماهي تمظهراته ؟
يحضر الجسد في قصيدة “جثة ” :
نزعت أصابعي عن يدي
ووضعت رأسي بين مشجبين
هكذا في الفراغ ….!
ليمرّ الضاحكون على سوادهم
يهزأون من ظلّ
بلا رأس
ويدٍ تبحثُ عن أصابعها
في جيوب الجثة ..!
اختار الشاعر مجموعة من الأعضاء التي لها فاعلية وتحيل على الذات وأحوالها النفسية ومعاناتها مع الأخر الذي يبدو في منتهى اللامبالاة ,ويمارس كل أشكال السخرية والتنقيص من قيمة الكينونة الشاعرية .ولقد ركز الشاعر على لفظة “الرأس لما تزخر به من دلالات القوة والهيمنة ,وهي ترمز الى التفكير والعقل والرؤية لكن تظهر لنا في وضعية تتسم
بالغرابة والدهشة ,اذ وضعها الشاعر في حيز الفراغ الذي يمثل الخلو والخواء وفي المسافة الفاصلة بين المشجبين لكن عندما ندقق في الألفاظ التالية “بين مشجبين “نستقطر ذكاء الذات في التعامل مع الآخر, فهي لم تعلق رأسها في أي مشجب بمعنى حافظت على استقلاليتها وعدم التبعية لأية جهة معينة ,وقامت بذاك الفعل حتى تترك صيغة الجمع تمر على قتامتها وانعدام انسانيتها, وتبرز عنفها وميلها الى السخرية , والتلذذ بفقد الذات لتاريخها وهويتها وذاكرتها ,وبحثها المستمر عن بصماتها ووجودها.أي ان الآخر يفتقد للروح الحضارية والانسانية ويتصرف بوحشية مع المشاهد الدرامية.
وفي قصيدة “فقدت رأسي ”
فرّتْ عصافيرُ من رأسي
تسَرّبتْ مُفرداتٌ مسْجونة
ولمْ تزَلْ قدمايَ فوقَ حبْلٍ مُرْتَخٍ؛
تهزآنِ من سَنواتٍ عبرَتِ الحدودَ
مَهزومةً على بِساطِ الرّيح.
أمشي على رأسي؛
صاعداً إلى أسفلِ البئر!
كُلّما سقطَ ضِلْعٌ
وضَعْتهُ في جَيْبٍ مَثقوب
أسمعُ صمْتَ الوقتِ المهْدورِ بين حربَيْن
فقدْتُ رأسيَ في حرْب،
نسِيتُ ساقيَّ في جَحيمِ حرْبٍ أُخرَى،
وكُلّما نهشَني ترابٌ مسْعور
نهضْتُ أحتضِنُ القلبَ الذي أوْرَثني
كلَّ هذهِ القبورِ المكْشوفة!
وفي سياق ضمير المتكلم اتخذ” الرأس “دلالة القيود والفضاء الغير المريح للفظة العصافير التي تفر في اتجاه السماء حيث الحرية والامتداد والاحساس بالحركية وفاعلية التحليق .ومن هنايتحول الرأس الى سجن يمنع الذات من التفكير وتحقيق الاستقرار النفسي. ورغم القيود الثقافية التي تفرضها الأنماط الجغرافية والاجتماعية التي تحيلنا عليها جملة “تهزآن من سنوات عبرت الحدود ” فان الشاعر دخيل خليفة لم يفقد فاعليته التي نستشفها من خلال فعل “أمشي على رأسي”ويبدو أنها حركية درامية تسعى الى تفتيت الرأس , وتحويله الى أرض يمكن المشي عليها .بمعنى ان الذات الشاعرة وصلت الى ذروة المعاناة والفقد , واتخذت من المشي وسيلة للتعرف على الذاكرة والحياة واللاشعور ,واستعملت لفظة صعودا الدالة على العلو والشموخ والارتفاع رغم انه فعل كان في اتجاه أسفل البئر .وبذلك يحضر البئر كرمز كثيف المعنى يحيل على التستر والاخفاء ,والعمق ويذكرنا بقصة النبي يوسف عليه السلام .لقد استمد الشاعر من لفظة “البئر” روحا جديدة لاستكناه معاناته كذات انسانية وكضحية للآخر المستبد .ولم يتوقف عن تفكيك جسده الى أعضاء والوقوف عند كل عضو .وهي طريقة لمنح الجسد الهش والمبتور والخارج من حرب البحث عن المكان , حيزا شعريا يتمدد فيه وينطلق وينهض في غياب الهوية الوطنية .وفي ظل هذا الفقد والبتر المستمر يبقى القلب كمفردة تعلن انسانية الذات الشاعرة ,واحتضانها لميراث لا يحسن وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية بقدر ما يضخ بداخلها الاحساس بالمسؤولية ,ورعاية هذا الموروث الذي هو عبارة عن مقابر مكشوفة لا تحفز على الحياة ,وتشعل دائما فتيل التفكير والتأمل والتذكر .وبذلك تصبح مفردة مقابر تمثل أيقونة سيميائية تحمل الكثير من الاشارات وتفاصيل الواقع الذي يعيشه الشاعر ,فهي لاتنحصر في دلالة الموت ونهاية دور الانسان في الحياة والأفق المجهول بل تتسم بطاقات تعبيرية هائلة ترمز الى الاستسلام والجمود ,وغياب المقاومة والاحتجاج والرغبة في الحياة وموت الارادة .
وفي قصيدة ( مشاجب ):
رؤوسنا بحاجة الى مشاجب
نعلقها قرب أقدامنا
ثم نسلم أجسادنا لمن يشتهي جلدها
دون رأفة
وبلا رقيب !
اختار الشاعر لفظة رؤوس التي أتت بصيغة الجمع وهنا وضعها على المشاجب لتحسيس الضمير الجمعي بالدونية والتشييءوتمكين أصحاب الرؤوس من الرؤية والتجرد من الخوف لاعادة الحياة للذات الجماعية .ولعل العبارة التالية (ثم نسلم أجسادنا لمن يشتهي جلدها) ترمز الى رغبة الشاعر في وضع الجلاد في صورة بشعة , اذ يعيش من ألم الآخرين ويتلذذ بتعذيبهم ويحرس الطغيان .وقد يذهب البعض الى أن فعل تسليم الأجساد يعكس غياب المقاومة والاحساس بالضعف والوصول الى ذروة الجحيم لكن عندما نستحضر السياق نجد أن الذات الجماعية هي من أقدمت على تقديم نفسها للجلد كي تستفز المعني بالأمر وتجعله يستشعر الذل والهوان ويتحرك للدفاع عن قضيته الانسانية
-الوطن والجسد :إن تتبع شعر دخيل خليفة سيكشف أنه مرتبط بالوطن ومصر على أن يستمد وجوده من ترابه ,وشحذ طاقته الابداعية من أجل التعبير عن الانتماء والهوية وتوقيف كل الجهات التي تعمل على حرمانه من الانتماء , والتعامل معه كذات غريبة عن المكان .وبذلك حضر الوطن بقوة داخل المساحات الشعرية ولم يعمل على الغائه لأنه يسكن وجدانه ومشاعره ولغته لكن مايثير الانتباه أن الشاعر لم يذكر اسم وطنه واستحضره من خلال مجموعة من الكلمات كسيدي – البلاد ,وهذا لايمكن تفسيره بالغضب والرغبة في رسم الهوة بينه وبين الوطن وانما هو اختيار يجسد الحرمان والخشوع والرهبة من تسميته .ولعلنا نلامس ذلك في قصيدة ”
خُذ بقاياكَ
من نارِ هذي المحَطةِ
يا سيّدي يا ولَدْ
قضَمَ الوقتُ صوتَ القطارِ
وأنتَ تُفتّشُ عن بلَدٍ
في بلَدْ !
,ينهض النص على الأمر ا”خذ بقاياك”الذي نشتم منه رائحة الغضب والتوتر والانفعال خاصة وأن الأمر يرتبط بمسألة الزمن ,ويلتمس من الأخر أخذ بقايا المعاناة والاحتراق والألم بهدف الاستفادة من التجربة وأخد العبرة والموعظة والتمكن من الرؤية خاصة وأن الاحساس بعامل الزمن بدأ يشتغل ويلتهم الحياة والعمر .ولم يكتف الشاعر بذلك فوظف أداة النداء يا” التي تفيد البعد وتعني أن هناك حواجز بين المنادي والمنادى أو ان المعني بالأمر يعيش لحظة السهو والتيه والنسيان. ولذلك تعامل معه الشاعر كطرف بعيد رغم قربه وارتباطة بقضية البحث عن الانتماء والاستقرار والهوية ,وقد يكون المخاطب هو كل من يتقاسم معه محنة الانتماء والوطن .وقد يكون الشاعر نفسه والهدف هو محاربة الصمت واخراج الذات المنكفئة على نفسها الى الوجود لكن مايثير الانتباه هو اختيار لفظة “سيدي ” الدالة على الاحترام والاحالة على التمركز والتعالي .مما ينم عن رغبة الشاعر في منح هذا الذي يفتش عن مكان جغرافي يستقر فيه سمة التقدير وتحفيزه على الاستمرارية مع أخذ مقياس الزمن بعين الاعتبار .أي ان الشاعر يعيد اليه الاعتبار ويخرجه من دائرة المجهول والاحباط والتهميش .وفي نفس السطر الشعري تطالعنا نفس أداة النداء برفقة كلمة “ولد “وهي نكرة مقصودة تترجم الحالة النفسية للشاعر الذي لم يتوقف عن تنبيه المنادى .وهنا حدده في كلمة ولد وهي لم يستحضرها للتنقيص من قيمة المنادى ,وهدم الدلالة السابقة بل لتحريك الطاقة الشبابية والتحفيز على الاشتغال على الهوية ,والتعامل مع الزمن بشكل جاد ومسؤول لأن الانسياب الزمني يفوت العديد من الفرص والامكانيات ,ويمنح للأخر المهيمن سلطة التحكم والتلاعب بالزمن ومصير العديد من أبناء البلد المهددين في كينونتهم .ولعل الوطن يحضر كشيء مخفي وضائع ويحتاج الى جهد كبير للبحث عنه خاصة وأنه مكان داخل مكان ,ويتحول الى لغز ينبغي فكه للوصول الى محطة الوضوح وتجلي الرؤية .وفي قصيدة ( نحن ضحاياك ):
نمْتَ مثلَ القنافذِ وحْدَكَ تلْتَحفُ الحُزنَ، تنْدَسُّ تحتَ ضلوعِكَ، كي تذْبَحَ الوقتَ في خيْمةٍ أنكَرَتْ حبَّها للوتَدْ !
بينَ قوْسَيْنِ أثّثْتَ كلَّ الخَسائرِ بالوَهْم، تحْلُمُ أنْ ينْضَجَ الزّمنُ الخشَبيُّ، تُنادي على الشمسِ في صَدأ العُمْرِ حتَّى تهَدّلَ غُصْنُكَ، مُنْتَظراً أن تُصافِحَها دونَ يَدْ!
واهِنٌ، بينَما الحَظُّ قنْطَرةُ الخائنينَ، كأنكَ جُرْحُ طَريدٍ على قلَقِ الأرضِ، أغْواكَ بروازُها فانْغَمسْتَ تشُدُّ نطاقَكَ في سنَواتِ المتاهةِ، لكنَّهمْ أوهَموكَ، وأنْتَ على شحّةِ العمْرِ صِرْتَ الأبدْ!
ما انْتَبهْتَ لنابِ النّهاياتِ تنْحَتُ نعْشَكَ يا طيّبَ النبْعِ، حتّى تآكلْتَ في خوذةِ البحْرِ، ثوبُكَ جزْرٌ وعُرْيكَ مَدْ.
صِحْتَ في سهْوةِ الغُرباءِ قُبَيْلَ انتِحارِكَ: نْحنُ ضحاياكَ، خُذْنا إلى الحربِ إن شئْتَ، واترُكْ لنا لوعَةَ الحُبّ يا سيّدي يا بلَدْ.
استثمر الشاعر لفظة “نمت ” لتقريب المسافة بينه وبين المخاطب الذي حاول أن يرسم لنا بعض ملامحه النفسية من خلال المشبه “القنافذ “.وهي صورة تجسد الحزن والانطوائية والهروب من المواجهة والاحباط والانهيار النفسي .والى جانب ذلك أشار الى المواقف السلبية التي يتخذها المخاطب اتجاه ما يحيط به.انه يمارس أبشع جريمة في حق وجوده لأنه يعمل على قتل واهدار الزمن داخل فضاء الخيمة التي تمثل رافدا من روافد المتخيل الشعري ولها احتمالات دلالية فسيحة منها القلق وعدم الاستقرار, وهي مرتبطة بالصحراء والبداوة .اضافة الى ذلك لاتنحصر الدلالة في تلك الحدود بل ترمز الى الوطن الذي يشكل فيه المخاطب عنصرا جوهريا ,وفاعلا في البناء وقيام الوطن .لكن رغم تلك المجهودات النبيلة فالخيمة تنكرت له .وعندما نتأمل العلاقة بشكل جيد نصل الى أن المخاطب تم استغلاله واستعباده وطمس خدماته والثقل الذي حمله من أجل تشييدالوطن.
ولقد حاول الشاعر أن يضع المخاطب بكل أوجاعه بين قوسين لتحقيق التشاكل مع السياق النفسي والواقع المشحون بالبتر والتهميش والقمع , وأبرز لنا محاولة المخاطب في أن يلتئم مع الحرية لكن نشعر ان هناك ارادة ينقصها التفعيل والتحقق .ويرتفع ايقاع الاحباط وفقدان الأمل عن طريق الكلمات التالية (الخسائر ,الوهم ) ،ويصبح حلم المخاطب بالزمن الديمقراطي ,أمرا يدخل في دائرة الوهم لأنه زمن قائم على العنف والاستبداد , والقسوة وغياب الحوار. وهذا ما نستشفه من لفظة الزمن الخشبي .
حيث يعكس ذاك المقطع الشعري التعبير عن حدة الصراع القائم بين الذات والآخر المتمثل في الخائنين ،فالمخاطب في موقف الضعف وغياب الارادة ونلاحظ أن الشاعر تمكن من تسريد الانكسارات والجروح والضياع والتيه واستجلابها من الذاكرة والواقع والوجدان .ولعلنا نلامس ذلك في الكلمات التالية :”جرح طريد -واهن – تنحت نعشك _نهايات المتاهة.”ورغم المفارقات القائمة بين الطرفين يظل المخاطب يتمتع بجذور ومنابع طيبة دالة على الحضور التاريخي والأخلاقي .ولعل هذا مادفعه الى الاقدام على الانتحار الذي أشار اليه الشاعر في لفظة قبيل انتحارك .وهي شبه جملة تحيل على الأحداث والأفعال والرسائل التي تركها المنتحر .والانتحار هنا يمكن ادراجه ضمن الانتحار الاحتجاجي . أي لاعلاقة له بالهلوسات والمرض وبذلك يكون المخاطب هو الانسان المهدور المستنزف الذي حاول لفت الانتباه الى قضيته .وهنا الانتحار لايغيب الحياة وانما يدفعنا الى التفكير في أسباب الاقدام على الانتحار والتحرك على وجه السرعة لتوقيف العوامل المؤدية اليه , وتمتيع الأحياء بالأجواء النفسية الصحية والاستقرار والسلم .ويعود الشاعر بعد الاستخدام المفرط لضمير المخاطب الى الأنا الجماعية لتحسيسها بالمسؤولية وتحفيزها على اعادة مراجعة فاعليتها وفق قيم الحرية والكرامة والديمقراطية بدل التشظي الذي تعيشه والذي عبر عنه الشاعر بتفكيك جسده.
ولعل تعويل الشاعر دخيل خليفة على تنويع نصوصه على مستوى الجمل والطول والقصر ومستويات اللغة هو بمثابة محطات ومساحات تمكنه من ملاحقة الانفعالات ودرجات التوتر والتقاط اللحظات والمواقف , والتمكن من الرؤية والتحرك عبر الأزمنة واستشراف الأفق, وأيضا يمنح له امكانية التنقل وحرية التعبير ,والتمتع بالفضاءات الشعرية التي يخلقها كتعويض نفسي عن حرمانه من تملك المكان والتمتع بحق الانتماء والهوية وكأداة للتحقق في النص والعالم . وبذلك يكشف تحليل بعض النصوص الشعرية لدخيل خليفة على أن متخيل الوطن ليس فقط مساحة جغرافية بل بنية شعرية تتشابك فيها تمثلات الهوية والانتماء والفقد والمعاناة والاحساس بالتجاهل والاقصاء . وهو بذلك يطمح الى اعادة بناء مفاهيم الوطن والانتماء والسلطة والحرية والانسان .والى جانب ذلك يدخل الجسد بدوره في التجربة الشعرية عند دخيل خليفة ويتحول الى أعضاء مفصولة عن بعضها البعض وكلها تأخذ الفاعلية للتعبير عن التبعثر والضياع الذي تعيشه الذات المهملة ,وبذلك يصبح الجسد أداة بديلة لخلق ذات قوية ومتماسكة وفاضحة للجهات التي تصنع الانسان المهدور المبعثرو تمس الكينونة الانسانية وتسقط عنها أمكنتها .
شكرااااً للناقدة والأكاديمية المغربية د.خديجة كربوب على قراءتها النقدية لبعض نصوصي، والشكر موصول للعزيز الشاعر حسين السياب لنشره القراءة في موقع (نخيل عراقي)..
………
الوطن والجسد في شعر دخيل الخليفة
………..
الفقد يكشف رؤية وجودية بالغة العمق..
……..
د.خديجة كربوب
……..
إن إحساس الشاعر دخيل الخليفة بالفقد والاغتراب لم يدمر لديه إمكانية البحث عن فضاءات جديدة تعمل على تحقيق التعويض النفسي والكشف عن مصادر الحرمان والتسلط بطرق جمالية. فالفقد يكشف لنا رؤية وجودية وفكرية بالغة العمق، تجمع ما بين الذاتي وصوت الجماعة الإنسانية. ولعل عدم قدرة الشاعر على اختراق الوضع غير الواضح والفاقد لقيم التعايش هو الذي دفعه إلى تثوير فكرة الفقد والبحث المستمر عن الهوية والانتماء والتعبير عن رفضه الواقع الموبوء، أي انه طرح موضوع الفقد بصيغة أكثر عمقاً، وأبان عن سلبية خطاب الآخر عبر لغة شعرية منفلتة من المألوف والقمع والصمت، ومارس كل آليات الهدم والبناء في عالمه الشعري، إذ لم يعد الشعر إرضاء للمتلقي والثقافة الرسمية بل أصبح عند الشاعر مرادفاً للحياة والحرية والوجود والجمال.
ويبقى سؤال الشاعر عن الهوية والجسد غير المكتمل والفقد والاغتراب في نصوصه الشعرية ليس سؤالاً عابراً، بل نابع من الذات وتجربتها مع المكان. وتصبح الكتابة الشعرية هي كتابة الذات، والبحث عن الاستقرار والتماسك، وتقوية الروابط بالأرض التي تحتضن الأسرة والطفولة والذاكرة والمستقبل. ويمكن تصنيف هذا الموضوع إلى محورين هما:
1-الذات والجسد
إن الذات الشاعرة خصصت حيزاً للجسد وهي لا ترغب في تقديمه بطريقة، بل تناولته كمكوّن جوهريّ في التعبير عن الكينونة والتشظي والإحساس بالفقد والبتر الموجع؛ فمفردة الجسد في نصوصه الشعرية تنفتح على العديد من الدلالات، وتحرك القراءة في اتجاه مسالك متعددة ومتنوعة. وقد منح الشاعر للذات مجالاً خصباً وأبرز المناطق المجهولة والمسكوت عنها، وسكب مائية شعرية مثيراً عبرها العديد من التساؤلات في أفق التلقي. ومن ضمنها كيف تمثّل الشاعر الجسد وماهية تمظهراته، ويحضر الجسد في قصيدة “جثة”:
نزعتُ أصابعي عن يدي
ووضعتُ رأسي بين مشجبين
هكذا في الفراغ!
ليمرَّ الضاحكون على سوادِهم
يهزأون من ظلٍّ
بلا رأس
ويدٍ تبحثُ عن أصابعها
في جيوب الجثة!
اختار الخليفة مجموعة من الأعضاء التي لها فاعلية وتحيل على الذات وأحوالها النفسية ومعاناتها مع الأخر الذي يبدو في منتهى اللامبالاة، ويمارس كل أشكال السخرية والتنقيص من قيمة الكينونة الشاعرية. ولقد ركز الشاعر على مفردة “الرأس” لما تزخر به من دلالات القوة والهيمنة، وترمز إلى التفكير والعقل والرؤية لكنها تظهر لنا في وضعية تتسم بالغرابة والدهشة، إذ وضعها الشاعر في حيز الفراغ الذي يمثل الخلو والخواء، وفي المسافة الفاصلة بين المشجبين، لكن عندما ندقق في الألفاظ التالية “بين مشجبين” نستقطر ذكاء الذات في التعامل مع الآخر، فهي لم تعلّق رأسها في أي مشجب، بمعنى أنها حافظت على استقلاليتها وعدم التبعية لأية جهة معينة؛ وقامت بذاك الفعل حتى تترك صيغة الجمع تمر على قتامتها وانعدام إنسانيتها، وتبرز عنفها وميلها إلى السخرية، والتلذذ بفقد الذات لتاريخها وهويتها وذاكرتها، وبحثها المستمر عن بصماتها ووجودها، أي أن الآخر يفتقد للروح الحضارية والإنسانية ويتصرف بعنف مع المشاهد الدرامية.
ويقول الخليفة في قصيدة “فقدت رأسي”:
فرّتْ عصافيرُ من رأسي
تسَرّبتْ مُفرداتٌ مسْجونة
ولمْ تزَلْ قدمايَ فوقَ حبْلٍ مُرْتَخٍ؛
تهزآنِ من سَنواتٍ عبرَتِ الحدودَ
مَهزومةً على بِساطِ الرّيح.
أمشي على رأسي؛
صاعداً إلى أسفلِ البئر!
كُلّما سقطَ ضِلْعٌ
وضَعْتهُ في جَيْبٍ مَثقوب
أسمعُ صمْتَ الوقتِ المهْدورِ بين حربَيْن
فقدْتُ رأسيَ في حرْب،
نسِيتُ ساقيَّ في جَحيمِ حرْبٍ أُخرَى،
وكُلّما نهشَني ترابٌ مسْعور
نهضْتُ أحتضِنُ القلبَ الذي أوْرَثني
كلَّ هذهِ القبورِ المكْشوفة!
في سياق ضمير المتكلم اتخذ” الرأس” دلالة القيود والفضاء غير المريح لمفردة “العصافير” التي تفر في اتجاه السماء حيث الحرية والامتداد والإحساس بالحركية وفاعلية التحليق. ومن هنا يتحول الرأس إلى سجن يمنع الذات من التفكير وتحقيق الاستقرار النفسي.
ورغم القيود الثقافية التي تفرضها الأنماط الجغرافية والاجتماعية التي تحيلنا عليها جملة “تهزآن من سنوات عبرت الحدود” فإن الشاعر دخيل الخليفة لم يفقد فاعليته التي نستشفها من خلال فعل “أمشي على رأسي!” ويبدو أنها حركية درامية تسعى إلى تفتيت الرأس، وتحويله إلى أرض يمكن المشي عليها. بمعنى أن الذات الشاعرة وصلت إلى ذروة المعاناة والفقد، واتخذت من المشي وسيلة للتعرف على الذاكرة والحياة واللاشعور، واستعملت لفظ “صعوداً” الدالة على العلو والشموخ والارتفاع رغم أنه فعل كان في اتجاه أسفل البئر. وبذلك يحضر البئر كرمز كثيف المعنى يحيل على التستر والإخفاء والعمق، ما يذكرنا بقصة النبي يوسف عليه السلام. وربما أن في هذا الصعود هبوطاً لا إرادياً، أي أنه مهما قاوم لا يجد سوى مزيد من النكران ومحاولة إسقاطه.
لقد استمد الشاعر من لفظة “البئر” روحاً جديدة لاستكناه معاناته كذات إنسانية وكضحية للآخر المتعالي، ولم يتوقف عن تفكيك جسده إلى أعضاء والوقوف عند كل عضو، وهي طريقة لمنح الجسد الهش والمبتور والخارج من حرب البحث عن المكان حيزاً شعرياً يتمدد فيه وينطلق وينهض في غياب الهوية.
وفي ظل هذا الفقد والبتر المستمر يبقى القلب كمفردة تعلن إنسانية الذات الشاعرة، واحتضانها ميراثاً لا يحسن وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية بقدر ما يضخ بداخلها الإحساس بالمسؤولية، ورعاية هذا الموروث الذي هو مقابر مكشوفة لا تحفز على الحياة، وتشعل دائماً فتيل التفكير والتأمل والتذكر. وبذلك تمثل مفردة “مقابر” أيقونة سيميائية تحمل الكثير من الإشارات وتفاصيل الواقع الذي يعيشه الشاعر؛ فهي لا تنحصر في دلالة الموت ونهاية دور الإنسان في الحياة والأفق المجهول، بل تتسم بطاقات تعبيرية هائلة ترمز إلى الاستسلام والجمود، وغياب المقاومة والاحتجاج والرغبة في الحياة وموت الإرادة.
وفي قصيدة “مشاجب” يقول الخليفة:
رؤوسنا بحاجة إلى مشاجب
نعلّقها قرب أقدامنا
ثم نسلّم أجسادنا لمن يشتهي جلدها
دون رأفةٍ، وبلا رقيب!
مجدداً اختار الشاعر مفردة “رؤوس” التي أتت بصيغة الجمع، وهنا وضعها على المشاجب لتحسيس الضمير الجمعي بالدونية والتشيؤ، وتمكين أصحاب الرؤوس من الرؤية والتجرد من الخوف لإعادة الحياة للذات الجماعية. ولعل العبارة التالية “ثم نسلم أجسادنا لمن يشتهي جلدها” ترمز إلى رغبة الشاعر في وضع الآخر بصورة بشعة، إذ يعيش من ألم الآخرين ويتلذذ بتعذيبهم ويحرس السواد. وقد يذهب البعض إلى أن فعل تسليم الأجساد يعكس غياب المقاومة والإحساس بالضعف والوصول إلى ذروة الجحيم، لكن عندما نستحضر السياق نجد أن الذات الجماعية هي من أقدمت على تقديم نفسها للجلد كي تستفز الآخر، وتجعله يستشعر الهوان ويتحرك للدفاع عن إنسانيته.
2-الوطن والجسد
إن تتبع شعر دخيل الخليفة سيكشف أنه مرتبط بالأرض، ومصر على أن يستمد وجوده من ترابها، وشحذ طاقته الإبداعية للتعبير عن الانتماء والهوية، وتوقيف كل الجهات التي تعمل على حرمانه من الانتماء، والتعامل معه كذات غريبة عن المكان. وبذلك حضرت الأرض بقوة داخل المساحات الشعرية، ولم يعمل على إلغائها لأنها تسكن وجدانه ومشاعره ولغته لكن ما يثير الانتباه أن الشاعر لم يذكر اسم وطنه واستحضره من خلال مجموعة من الكلمات مثل “سيدي، البلاد” وهذا لا يمكن تفسيره بالغضب والرغبة في رسم الهوة بينه وبين الوطن، وإنما هو اختيار يجسد الحرمان والخشوع والرهبة من تسميته. ولعلنا نلامس ذلك في هذه القصيدة:
خُذ بقاياكَ
من نارِ هذي المحَطةِ
يا سيّدي يا ولَدْ
قضَمَ الوقتُ صوتَ القطارِ
وأنتَ تُفتّشُ عن بلَدٍ
في بلَدْ!
ينهض النص على الأمر “خذ بقاياك” الذي نشتمُّ منه رائحة الغضب والتوتر والانفعال، خصوصاً أن الأمر يرتبط بمسألة الزمن، ويلتمس من الآخر أخذ بقايا المعاناة والاحتراق والألم بهدف الاستفادة من التجربة، وأخد العبرة والموعظة والتمكن من الرؤية، لأن الإحساس بعامل الزمن بدأ يشتغل ويلتهم الحياة والعمر. ولم يكتف الشاعر بذلك فوظف أداة النداء “يا” التي تفيد البعد وتعني أن هناك حواجز بين المنادي والمنادَى أو أن المعني بالأمر يعيش لحظة السهو والتيه والنسيان. ولذلك تعامل معه الشاعر كطرف بعيد رغم قربه وارتباطه بقضية البحث عن الهوية والاستقرار. وقد يكون المخاطب هو كل من يتقاسم معه محنة الانتماء والوطن. وقد يكون الشاعر نفسه، والهدف هو محاربة الصمت وإخراج الذات المنكفئة على نفسها إلى الوجود.
لكن ما يثير الانتباه هو اختيار لفظة “سيّدي” الدالة على الاحترام والإحالة على التمركز والتعالي. ما ينم عن رغبة الشاعر في منح هذا الذي يفتش عن مكان جغرافي يستقر فيه سمة التقدير وتحفيزه على الاستمرارية، مع أخذ مقياس الزمن بعين الاعتبار. أي أن الشاعر يعيد إليه الاعتبار ويخرجه من دائرة المجهول والإحباط والتهميش. وفي السطر الشعري نفسه تطالعنا أداة النداء ذاتها برفقة كلمة “ولد” وهي نكرة مقصودة، تترجم الحالة النفسية للشاعر الذي لم يتوقف عن تنبيه المنادى. وهنا حدده بمفردة “ولد” وهي لم يستحضرها للتنقيص من قيمة المنادى وهدم الدلالة السابقة، بل لتحريك الطاقة الشبابية والتحفيز على الاشتغال على الهوية، والتعامل مع الزمن بشكل جاد ومسؤول، لأن الانسياب الزمني يفوت العديد من الفرص والامكانيات، ويمنح الأخر المهيمن سلطة التحكم والتلاعب بالزمن وكل ماهو مهدد في كينونته.
ولعل الوطن يحضر كشيء مخفي وضائع ويحتاج إلى جهد كبير للبحث عنه، خصوصاً أنه مكان داخل مكان، ويتحول إلى لغز ينبغي فكه للوصول إلى محطة الوضوح وتجلي الرؤية. وفي قصيدة “نحن ضحاياك” يقول الخليفة في قصيدته المدوّرة:
“نمْتَ مثلَ القنافذِ وحْدَكَ تلْتَحفُ الحُزنَ، تنْدَسُّ تحتَ ضلوعِكَ، كي تذْبَحَ الوقتَ في خيْمةٍ أنكَرَتْ حبَّها للوتَدْ!
بينَ قوْسَيْنِ أثّثْتَ كلَّ الخَسائرِ بالوَهْم، تحْلُمُ أنْ ينْضَجَ الزّمنُ الخشَبيُّ، تُنادي على الشمسِ في صَدأ العُمْرِ حتَّى تهَدّلَ غُصْنُكَ، مُنْتَظراً أن تُصافِحَها دونَ يَدْ!
واهِنٌ، بينَما الحَظُّ قنْطَرةُ الخائنينَ، كأنكَ جُرْحُ طَريدٍ على قلَقِ الأرضِ، أغْواكَ بروازُها فانْغَمسْتَ تشُدُّ نطاقَكَ في سنَواتِ المتاهةِ، لكنَّهمْ أوهَموكَ، وأنْتَ على شحّةِ العمْرِ صِرْتَ الأبدْ!
ما انْتَبهْتَ لنابِ النّهاياتِ تنْحَتُ نعْشَكَ يا طيّبَ النبْعِ، حتّى تآكلْتَ في خوذةِ البحْرِ، ثوبُكَ جزْرٌ وعُرْيكَ مَدْ.
صِحْتَ في سهْوةِ الغُرباءِ قُبَيْلَ انتِحارِكَ: نْحنُ ضحاياكَ، خُذْنا إلى الحربِ إن شئْتَ، واترُكْ لنا لوعَةَ الحُبّ يا سيّدي يا بلَدْ”.
استثمر الشاعر فعل “نمت ” لتقريب المسافة بينه وبين المخاطب الذي حاول أن يرسم لنا بعض ملامحه النفسية من خلال المشبه “القنافذ “. وهي صورة تجسد الحزن والانطوائية والهروب من المواجهة والإحباط والانهيار النفسي. وإلى جانب ذلك أشار إلى المواقف السلبية التي يتخذها المخاطب تجاه ما يحيط به. إنه يمارس أبشع فعل في حق وجوده لأنه يعمل على قتل وإهدار الزمن داخل فضاء الخيمة التي تمثل رافداً من روافد المتخيّل الشعري، ولها احتمالات دلالية فسيحة منها القلق وعدم الاستقرار، وهي مرتبطة بالصحراء والبداوة. وفضلاً عن ذلك لا تنحصر الدلالة في تلك الحدود بل ترمز إلى الأرض التي يشكل فيها المخاطب عنصراً جوهرياً وفاعلاً في البناء والنهوض. لكن رغم تلك المجهودات النبيلة فالخيمة تنكرت له. وعندما نتأمل العلاقة بشكل أوضح نصل إلى أن المخاطب تم استغلاله وطمس خدماته ودوره في عملية البناء.
لقد حاول الشاعر أن يضع المخاطب بكل أوجاعه بين قوسين لتحقيق التشاكل مع السياق النفسي والواقع المشحون بالبتر والتهميش، وأبرز لنا محاولة المخاطب في أن يلتئم مع الحرية، لكن نشعر بوجود إرادة ينقصها التفعيل والتحقق. ويرتفع إيقاع الإحباط وفقدان الأمل عن طريق مفردات مثل “الخسائر، الوهم” ويصبح حلم المخاطب بالزمن الديمقراطي أمراً يدخل في دائرة الوهم، لأنه زمن قائم على والقسوة وغياب الرؤية والحوار. وهذا ما نستشفه من لفظة الزمن الخشبي.
ويعكس هذا المقطع الشعري التعبير عن حدة الصراع القائم بين الذات والآخر المتمثل في “الخائنين”، فالمخاطب في موقف الضعف وغياب الإرادة؛ ونلاحظ أن الشاعر تمكن من تسريد الانكسارات والجروح والضياع والتيه واستجلابها من الذاكرة والواقع والوجدان. ولعلنا نلامس ذلك في مفردات مثل: “جرح طريد، واهن، تنحت نعشك، نهايات، المتاهة”. ورغم المفارقات القائمة بين الطرفين يظل المخاطب يتمتع بجذور ومنابع طيبة دالة على الحضور التاريخي والأخلاقي. ولعل هذا ما دفعه إلى الإقدام على الانتحار الذي أشار اليه الشاعر في جملة “قبيل انتحارك”. وهي شبه جملة تحيل إلى الأحداث والأفعال والرسائل التي تركها المنتحر. والانتحار هنا يمكن إدراجه ضمن الانتحار الاحتجاجي. أي لا علاقة له بالهلوسات والمرض وبذلك يكون المخاطب هو الإنسان المهدور المستنزف الذي حاول لفت الانتباه إلى قضيته. وهنا الانتحار لا يغيّب الحياة وإنما يدفعنا إلى التفكير في أسباب الإقدام عليه، والتحرك على وجه السرعة لإيقاف العوامل المؤدية إليه، ومنح الأحياء الأجواء النفسية الصحية والاستقرار والسلم. ويعود الشاعر بعد الاستخدام المفرط لضمير المخاطب إلى الأنا الجماعية ليشعرها بالمسؤولية وتحفيزها على إعادة مراجعة فاعليتها وفق قيم الحرية والكرامة والديمقراطية بدل التشظي الذي تعيشه والذي عبر عنه الشاعر بتفكيك جسده.
ولعل تعويل الشاعر دخيل الخليفة على تنويع نصوصه على مستوى الجمل والطول والقصر ومستويات اللغة هو بمثابة محطات ومساحات تمكنه من ملاحقة الانفعالات ودرجات التوتر والتقاط اللحظات والمواقف، والتمكن من الرؤية والتحرك عبر الأزمنة واستشراف الأفق، إلى جانب إمكانية التنقل وحرية التعبير، والتمتع بالفضاءات الشعرية التي يخلقها كتعويض نفسي عن الحرمان الذي يخلقه جرح الهوية وكأداة للتحقق في النص والعالم. وبذلك يكشف تحليل بعض النصوص الشعرية للخليفة عن أن متخيل الوطن ليس فقط مساحة جغرافية بل بنية شعرية تتشابك فيها تمثلات الهوية والانتماء والفقد والمعاناة والإحساس بالتجاهل. وهو بذلك يطمح إلى إعادة بناء مفاهيم الانتماء والحرية والإنسان. وبالإضافة إلى ذلك يدخل الجسد بدوره في التجربة الشعرية عند دخيل الخليفة ويتحول الى أعضاء مفصولة عن بعضها البعض وكلها تأخذ الفاعلية للتعبير عن التبعثر والضياع الذي تعيشه الذات المهملة، وبذلك يصبح الجسد أداة بديلة لخلق ذات قوية ومتماسكة وفاضحة للجهات التي تصنع الإنسان المهدور المبعثر وتمس الكينونة الإنسانية وتسقط عنها أمكنتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*ناقدة وأكاديمية مغربية.
دار ناريمان