في عيد مولد مار شربل… جامعة الروح القدس الكسليك تكرّم ريمون جبارة الإنسان والمسرح

على مسرح كازينو لبنان، أقامت جامعة الروح القدس الكسليك حفلاً تكريمياً للمسرحي اللبناني الراحل ريمون جبارة، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، وعائلة الراحل، إلى جانب نخبة من الفنانين والمثقفين وأصدقاء المسرح ومحبي صاحب التجربة الاستثنائية التي تركت أثراً عميقاً في الوجدان الثقافي اللبناني، وقد اختير توقيت الاحتفاء  تزامناً مع عيد مولد القديس مار شربل، في إشارةٍ تعبّر عن العلاقة الروحية والفكرية التي جمعت جبارة بهذه الشخصية التي شكّلت محوراً في إحدى أبرز مسرحياته.

استُهلّ الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم ألقى الإعلامي وليد عبود كلمة ترحيبية مؤثرة، أعادت استحضار حضور ريمون جبارة الإنساني والفني، قبل عرض وثائقي تناول محطات من مسيرته المسرحية والفكرية، كاشفاً عن تجربة فنية تمردت على القوالب التقليدية ولامست وجع الإنسان وأسئلته الوجودية.

وتوالت بعد ذلك الكلمات والشهادات التي رسمت صورة متعددة الأبعاد للمكرَّم. فاختصر الشاعر هنري زغيب حضور جبارة بكلمات قليلة لكنها عميقة الدلالة، قائلاً:
«الله يطوّل بعمر غيابك»، في عبارةٍ حملت مفارقة الحضور الطاغي لرجلٍ لم يغب عن الذاكرة.
أما الفنان كميل سلامة، فتحدث عن شخصية جبارة الاستثنائية قائلاً:
«اللي بدو يتعرّف ع ريمون جبارة بيقدر، بس اللي بدو يعرفو ما بيقدر… ريمون جبارة حياة»، في إشارة إلى غنى تجربته الإنسانية وتعقيدها.
بدوره، قدّم الفنان غابرييل يمّين شهادة وجدانية مؤثرة، تناول فيها انتماء ريمون جبارة الإنساني، أو بالأحرى عدم انتمائه التقليدي، معتبراً أن وسيلته الوحيدة للوصول إلى الله كانت «وجع الناس». ولم يتمالك يمين دموعه وهو يستعيد صوت جبارة وهو يتحدث عن السيد المسيح والعذراء مريم، متوقفاً أيضاً عند تلك «الحازوقة» التي كانت تعيق كلماته وتمنحه فرادته الخاصة.
وفي رسالة مصوّرة، قال الفنان رفعت طربيه:
«أعظم معجزة لمار شربل إنو ريمون يعمل مسرحية شربل»، في إشارة إلى عمق المقاربة الفكرية والروحية التي طبعت أعمال جبارة.
كما تحدثت د. لينا سعادة جبران عن المسيرة الفكرية والفنية للمكرَّم، متوقفة عند سؤاله الوجودي الدائم: «هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟»، وهو السؤال الذي شكّل محوراً أساسياً في أعماله المسرحية.
وألقى الفنان عصام الأشقر كلمة باسم نقيب الممثلين نعمت بدوي ، استعاد فيها الدور الريادي الذي لعبه ريمون جبارة في نهضة المسرح اللبناني في ستينيات القرن الماضي ، ومؤكداً أن جبارة بقي حاضراً «في كل عمل، وفي ذاكرة المسرح، وفي تاريخ البلد».
أما كلمة العائلة، فألقاها عمر ريمون جبارة، مستهلاً حديثه بعبارةٍ عفوية حملت الكثير من روح والده:
«حاسس لازم بلّش هالكلمة مع سيغارة».
وتحدث عن ريمون الأب والجد، وعن الإرث الذي تفخر العائلة بحفظه ضمن أرشيف كبار المبدعين في جامعة الروح القدس الكسليك، واصفاً إياه بـ«صانع الأحلام».
من جهته، أكد رئيس الجامعة الأب جوزف مكرزل أن ريمون جبارة «لم يكن رجل مسرح فحسب، بل رجل قضية»، معتبراً أن تجربته تجاوزت الخشبة لتلامس قضايا الإنسان والمجتمع والحرية.
واختُتمت الأمسية بكلمة وزير الثقافة غسان سلامة، الذي أشاد بدايةً بالدور الثقافي الذي تضطلع به جامعة الروح القدس الكسليك في حفظ الذاكرة الفنية اللبنانية، قبل أن يستعرض محطات من مسيرة جبارة الإبداعية. وقال سلامة إن «وحدهم الصادقون قادرون على السخرية، لأنها تدفع الآخر إلى إظهار حقيقته ونزع الأقنعة»، مضيفاً أن من اختبر سخرية ريمون جبارة «لن ينساها حتى بعد نصف قرن».
واختُتم الحفل بنخب المناسبة، تلاه عرض لمسرحية من أعمال ريمون جبارة بعنوان “شربل”، في تحيةٍ أخيرة لرجلٍ لم يكن مجرد فنان، بل ذاكرةً حيّةً من ذاكرة المسرح اللبناني.

ناريمان علوش