زوق مكايل أيقونة الثقافة والفن… ثلاثة أيام من الموسيقى واللون والحياة

على مدى ثلاثة أيام، لم تكن زوق مكايل مجرد مدينة تحتفل بعيد الموسيقى، بل بدت وكأنها تعيش داخل مقطوعةٍ موسيقيةٍ طويلة؛ مقطوعة امتزجت فيها الألحان بأصوات الناس، وتراقصت على إيقاعها حجارة السوق العتيق التي تحفظ في ذاكرتها حكايات أجيالٍ من العابرين والحالمين.
بتنظيم من بيت الشباب والثقافة في زوق مكايل، ارتدت المدينة ثوب الفرح، وفتحت أبوابها للفن بكل أشكاله. فمن بين أزقة السوق العتيق انطلقت الاحتفالات بمعرضٍ تشكيلي من تنسيق وإشراف وتنظيم دار شيبان للثقافة والفنون، وبرئاسة الفنان التشكيلي الأستاذ سعد شيبان، شارك فيه نخبة من الفنانين الذين حمل كلٌّ منهم لبنانه الخاص إلى اللوحة.
في تلك المساحة المضيئة، استعاد بعضهم دفءَ البيوت القديمة وذاكرة الزمن الجميل، فرسموا بيوت الجدّات والسيارات العتيقة وملامح الأمس الذي لا يغيب. فيما اختار آخرون أن يسكبوا وجع الوطن على القماش، بألوانٍ تنبض بالألم والحروب والخسارات. وبين هؤلاء وُجد فنانون حملوا حكاياتهم الشخصية إلى اللوحات؛ أحدهم جاء بقلبٍ أثقلته خسارة المنزل في جنوب لبنان، وبحث بين الألوان عن بيتٍ جديد يسكنه الحلم بعدما هدمته النار.
ولم يكن المعرض مجرد مساحة لعرض الأعمال الفنية، بل تحوّل إلى ملتقى للرسامين والأصدقاء وعشاق الجمال، حيث امتزجت الأحاديث بالموسيقى، واجتمع الجميع حول نخبٍ غير معلن للفن والحياة.
وفي الجهة المقابلة، وبين أجنحة ضمّت منتجاتٍ متنوعة من المأكولات والمشروبات والألعاب والتسالي، ارتفع المسرح ليكون القلب النابض للاحتفالات. وهناك شهدت زوق مكايل أجمل أمسياتها الموسيقية، فاستضافت في اليوم الأول أعرق الأوركسترات العسكرية العربية، موسيقى قوى الأمن الداخلي اللبنانية، بقيادة الرائد كابريال لطفي، وبمشاركة الفنانين ميشال خوري وماريا عازار.
حملت تلك الأمسية شيئاً من هيبة الوطن ودفء الذاكرة، فأعادت إلى القلوب نبض الانتماء والمحبة. وقد حضرها رئيس بلدية زوق مكايل ورئيس اتحاد بلديات كسروان الفتوح الأستاذ الياس بعينو، إلى جانب نخبة من الضباط والقادة في قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني، كما شهدت تكريم قائد الأوركسترا السابق، ابن زوق مكايل العميد أنطوان طعمة، تقديراً لمسيرةٍ طويلة من العطاء والخدمة.
واستمرت الاحتفالات على مدى الأيام الثلاثة، متنقلة بين عروض الأطفال مع زمور ومسرحية “ميزو وميزا”، وفقرات الدبكة والرقص، والأمسيات الفنية التي أحياها عدد من الفنانين، بينهم نيلي، وجوي وكريس، وكلارا وآلان برجي، وصولاً إلى تكريم الفائزتين بأجمل صورتين التُقطتا للسوق العتيق ومدرّجه التاريخي.
ثلاثة أيام امتلأت بالفرح والضحك والموسيقى واللقاءات الجميلة، وأثبتت خلالها هذه المدينة أنها، مهما اشتدت التحديات، ستبقى منارةً للفن وأيقونةً للثقافة، ومساحةً مفتوحة للحياة.