في مساءٍ غائمٍ بالحزن على رحيل زياد الرحباني، حين كانت الأرواح خاشعة في وداع موسيقاه، جاءني صوت صديقتي الدكتورة داليا مزهر عبر الهاتف يسألني كمن يرميني بطوق نجاة:
ــ “ناريمان، تروحي تحضري معي مسرحية اليوم؟”
رفعت رأسي عن أنين الأخبار، قلت لها بنصف يأس ونصف فتور:
ــ “لا يستهويني المسرح، أو بالأحرى ما يُقدّم اليوم تحت اسمه… باتوا يعتقدون أن البذاءة شرطٌ للضحك، وأن التفاهة مقياس النجاح.”
قاطعتني، بنبرة هائة:
ــ “هيدي المسرحية مختلفة.”
أجبتها، وشيء من الأمل في صوتي :
ــ “بما أننا سنكون معًا، فلا مانع… سأجرّب.”
سألتها عن اسم المسرحية فأجابتني؛
“فرج تحت الدرج”.
لم أفتّش عنها على” غوغل”، ولم أقرأ عنها سطرًا… قررت أن أدخل العرض بقلبٍ مفتوح وعينين فطنتين.
عند باب مسرح” دوار الشمس”، التقيت بجمهور غير عادي؛ وجوهٌ من أعمارٍ شتى، ونخبة من أهل الفن… جلسنا في الصف الثاني، وقلت لها وأنا أهمس، كمن يترك لنفسه مخرجًا أنيقًا:
ــ “إذا ما عجبتنا من الأول، منفل دغري…”
لكن المسرحية لم تترك لنا منفذًا للفرار.
على الخشبة، علا صوتٌ بنبرة رثاء لا تموت، يقول:
“زياد رحل، لكن المسرح باقٍ…”
وما إن دخل علي اتحاد بشخصية “فرج “، حتى بدأ العرض يسلك طريقًا مختلفًا تمامًا عما توقعت.

“فرج”، ذاك الكاتب المقهور، الذي يكتب ما لا يشبهه، لأن المنتج يشتهي نصًّا آخر، ولأن السوق يملي شروطه، ولأن الحقيقة ممنوعة إلا إذا تنكّرت.
ثم دخل حسين حيدر، بدور “فرج” ابن خالته، وجه الحقيقة الذي يحاولون اغتياله، لكنّه يعود ويصرخ من خلف النص… وعلى الرغم من أن مظهره يوحي بالحماقة ، إلا أن صرخاته تصيب. وكلما نطق باسم فلسطين، دوّى التصفيق كأنّه نشيد، وكأننا، فجأة، في مسرح القضية، لا في مسرحية.

مشاهد تُضحك وتؤلم، لا تُهادن ولا تبتذل.
رسائل عارية من التزييف، تقول لنا بوضوح:
“الحديث عن العهر مباح، أما عن الجوع والفقر والبطالة…. فهو جريمة…!”
كم هو قاسٍ أن يُصبح قول الحقيقة جريمة يعاقب عليها القانون!
ومحمد فوعاني، مخرج العمل، لم يكتفِ بأن يدير الدفّة، بل صعدها. أدّى دور الممثل السوري، ذاك الذي تخرّج من المعهد العالي وصار جزءًا من كليشيهات الدراما المعلبة. صوته ولهجته أدهشاني؛ ظننته سوريًّا خالصًا. ذكرني بأبو عنتر وبأزقة “باب الحارة”، إلى أن كشف الستار عن قناع الشخصية: إنه ممثل لبناني ينتحل هوية سورية لينال فرصة تمثيل… وكم من أقنعة في الواقع ترتدي جنسيات ليست لها، فقط لتظفر بدور!
أما ميليسا عزيز، فقد تسللت بخفة ظلّها إلى القلوب. في دور أخت المنتج المدلّلة مايا، كشفت بعفويتها جانبًا من الكوميديا السوداء التي يعيشها الوسط الفني، حيث الكفاءة تُستبدل بالمحسوبية، والموهبة تُقصى لأجل الواسطة.
المشاهد توالت بسلاسة، مثل نهرٍ يمضي دون عوائق، يوقظ فيك ضحكة ودمعة، يقبض على قلبك حينًا، ويدغدغه حينًا آخر… حتى آخر لحظة، حين انحنت الخشبة في وداع زياد، ولم يكن وداعًا بقدر ما كان تحية.
قالها حسين حيدر بصدقٍ موجع:
“بتحبّو زياد؟ احضروا مسرح…”
فزياد، كما نعرفه، لا يعنيه أن تُعلّق صورته على الجدران، بل أن يُعاد النبض إلى الخشبة.
أما فوعاني فختمها بضحكةٍ تشبه صفعة:
“إذا حبيتوا المسرحية، اكتبوا عنها… وإذا لا، خلّوا غيركن ياكل الضرب متلكن.”
ضحكنا… لكن في الضحكة ما يوجع.
نعم، “فرج تحت الدرج” ليست مجرد مسرحية… بل صفعة فنية رشيقة، تذكّرنا أن المسرح حين يكون حقيقيًا، فهو أصدق من كل نشرات الأخبار، وأقوى من كل محاولات التعتيم.
وأن زياد، وإن رحل جسده، فما زالت روحه تمشي بين المقاعد، تهمس في آذاننا:
“إذا بَدّك تغيّر شي بهالدني… بلّش بالمسرح.”
“فرج تحت الدرج”.
إخراج: محمد فوعاني
كتابة: محمد فوعاني وحسين حيدر
على مسرح “دوار الشمس”

دار ناريمان