في زوايا القلب، تسكن أغانٍ لا نعرف لماذا نحبّها، لكنها تمسك بأرواحنا كما يُمسك الحنين بطرف ثوب الذكرى… هل هو اللحن الذي يتسلّل كنسيم خفيف؟ أم الكلمات التي تطرق أبواب الوجدان بصمت؟ أم لعلّها القصص المختبئة خلفها، تلك التي تمنح الأغنية روحًا وسيرة؟
من بين تلك الأغاني التي استوطنت صباحاتي، كانت “قديش كان في ناس” الأقرب إلى نبضي. كنت أبدأ بها يومي، أرتّب بها مزاجي على نغمة من الحنين العذب…
كلمات، ولحن، وصوت يشبه السحر…. فضلًا عن أنّ شيئًا في الأغنية كان يُلحّ، يطلب أن أفهم سرّه. وحين قرأت في كتاب “زمن زياد” لطلال شتوي عن ولادتها، رأيت “زياد” صغيرًا، بعمر الرابعة عشرة، يلهو مع شقيقته ليال، وابني عمه غدي ومروان، وابن عمته بشارة الخوري، يركضون على رصيف الزمن ويردّدون بصوتٍ طفوليٍ جميل:
قديش كان في ناس
عالمفرق تنطر ناس
وتشتي الدني
ويحملوا شمسية
وانا بإيام الصحو ما حدا نطرني…
أدهشني أن هذا المقطع، مع لحنه، خرج من طفلٍ لم يكد يلامس حدود الوعي، ليبيعه لاحقًا لوالده، الذي أكمل كتابته وصقله كجوهرة، ووهبه لفيروز، فصار من أعذب ما غنّت، بل من أجمل ما أُنجز في تاريخ الأغنية العربيّة.
أي عبقري أنت يا زياد؟
أي طفل يسكنك ويخطّ بالفطرة ما يعجز الكبار عن نظمه؟
و”قديش كان في ناس” اليوم زعلانة عفراقك…
نحنا، كلنا، اللي كنا ننطر صوتك عالمفرق…
وصار المفرق هالمرة بلا رجعة.

دار ناريمان