زياد الرحباني يطلّ من خلف الرحيل…

“كيفك؟”.
سألتُ زياد بعد أن لمحته جالسًا يطارد دخان سيجارته. فأجابني :
“كل ما تسألوني كيفك بتذكر إني  مش منيح… بلاه هالسؤال مش احسن؟”.
تخطّيت هذا السؤال إلى سؤال آخر، قلته بحنوّ وحذر:
“ليه ما قبلت تطلع معي مقابلة لما طلبت منك ؟“
أجابني بنبرة فيها من الصدق ما يكسر القلب :
إيه ما قبلت ولاحقتيني لهون؟…
ثمّ تابع:
“تعباااااان”
سألته برقّة وكأنني أداعب جرحًا مفتوحًا:
“من شو تعبان” ؟
قال بنبرة منهكة:
“من البلد، من الناس، من حالي”..
قاطعته:
“كل عمرك تعبان وتحكي… تحكي لترتاح.. شو اللي تغيّر”..
قال مع ابتسامة ساخرة:
” المشكلة هيي إنو ما تغير شي… لشو بعد بدي احكي… كان ممكن البلد يعيش بعز.. بس عز راح، والبلد راح، والشعب راح.. وانا رااااح..”
قاطعته :
“لاا.. ما راح شي.. والدليل انو بعدنا عم نسمعك، وبعدو صوتك.. الناس كلها عم تردد كلماتك وتحكي بلهجتك وافكارك و…”
قاطعني بنبرة حادة:
” خلص بيكفي ، هلأ جايين عم تحكو بأفكاري؟ ليه لما كنت عايش ما عملتو هالطنة والرنة؟ ليش ما كتبتو وما حكيتو وما تناقلتو كلماتي ؟”..
أجبته مدافعة:
” شو هالحكي… ولا مرة الناس همشت كلامك.. و لو ما شفت قديه كتبوا عنك؟
قاطعني :
مش مهم شو كتبو ومين كتب، المهم مين قرأ… عم راقب من بعيد.. كتار ما تذكروا يقرأوا الكتب غير بعد ما متت… وما تذكروا يكتبوا عنن… ومنن انتِ؟
أجبت بغضب:
أنااا؟ لا والله كنت كل ما امرق من حد كتاب عنك أقرأ منو، كنت حسو متل فنجان القهوة.. او بالأحرى الشاي لأن ما بشرب قهوة.. بمزمزو عمهلي..
ضحك باستخفاف وقال :
“بدنا نجرب ما نعصب اليوم”..
ثمّ مسح بيده على وجهه وكأنه يمسح تعبه ثم تابع:
… بتعرفي شو… قررت كون بلا مخ لكون مبسوط ومرتاح.. قرأتوا أو ما قرأتوا… ايييه مااا بتفرق…

صمتت وكأنني لم أعد أجد من داعٍ للنقاش
ثم استدركت قائلة:
طيب شفت قديه كان في ناس بالجنازة وقديه كانو زعلانين..
نظر إليّ نظرة طويلة متأملة ثم قال :
“إنت شو رأيك؟”..
تفاجأت بالسؤال، ولم أعرف بماذا أجيب… فلم أسأل نفسي من قبل، عن رأيي، واكتفيت بحديث العيون، حتى قرر فك زر الصمت وقال بصوته المخنوق من كثرة الصمت، وبضحكة تميل صوب الوجع:
“بيعزّوا الميت، مش لأنّو كان غالي، بس لأنو صار ما بقا يطلب شي… لا كهربا، لا مي، لا وطن..
صار أريحلن ميت… وبتصير الجنازة عرض من العروض، متل المسرحية… بيجوا يحضروها، يبكوا شوي، ويشكروا الرب إنن بعدن عايشين…”

سكت، نظر بعيدًا… ربما صوب شيء لا نراه نحن ، ربما صوب روحه.
ثم تنهد وقال:
“ما حدا بيحزن ع الغايب… بيحزن ع حالو لأنو نسي يسألو، يحاورو، يحبّو وهو بعدو حدّو. بيبكي لأنو تأخر، مش لأنو فقد.”

همست:
“بس في ناس عنجد كانت مخلصة…”

نظر إليّ وقال بلهجته المعهودة:
“والمخلصين شو طلع بإيدن؟ كتبوا بوست؟ نزلوا بوست؟
يا خيي، المخلص بهالبلد يا بينجن يا بينقتل يا بينسى حالو.”

ابتسمت، بحزن، بصمت، بانكسار غير مألوف… وقلت:
“بس إنت بعدك هون، وعم نحكي… وهالحكي بيخليني حسّ إنو بعد في شي حقيقي.”

أشعل سيجارته من جديد، نفث الدخان ببطء وقال:
“الحكي الحقيقي ما بينقال… منتنفسو… وخلص، ما بقا في نفس.”

ثم وقف، رمى عقب السيجارة كأنّه يدفن آخر الكلام،
وقال بنبرة نهائية،
كأنّه يكتب جملة الختام في مسرحية من مسرحياته:
“ما ترجعوا تسألوني كيفني… لأنو إذا قلت منيح، بكون عم كذّب… وإذا قلت مش منيح، ما حدا رح يعمل شي.”

ورحل…
كما يفعل دائمًا:
يتركك مثقلاً،
بكلمة ناقصة،
وسؤال…
ليس له جواب .

#ناريمان_علوش
#حوار_من_وحي_الخيال
#زياد_الرحباني