بين جحيم الحبّ وفردوسه، “هكذا نُشفى من الحبّ” للكاتبة ناريمان علوش…
كتب د.محمّد فقيه
عاش الشّاعر ديك الجنّ الحمصي روحًا معلّقة بين جحيم الغيرة وفردوس الحبّ، أحبّ “ورد” حبًّا طاغيًا، حتى غدت في عينيه العالم كلّه، وصار يخشى عليها من أنفاس الحياة.
لقد اختلط في نفسه العشق بالتملّك، والشغف بالخوف، حتى أعمت الغيرة بصيرته، فارتكب جريمته المروّعة، وقتل المرأة التي كانت نبض قلبه وملهمته. وهكذا تحوّل الحبّ الذي كان يُفترض أن يمنحه الخلود إلى مأساة أبديّة، وبات شاعرًا يطارد طيف حبيبته في قصائده، كأنّه يحاول بالكلمات أن يستردّ ما أضاعته يداه، وأن يطفئ بدموع الندم نارًا أشعلتها غيرةٌ لم تعرف حدودًا.
هكذا هوالحبّ، حين يفقد توازنه، يتحوّل إلى هوى يحمل في داخله بذور مأساته، ومرضٍ يحتاح إلى علاج.
وهنا يطلّ السؤال النفسيّ بوضوح: متى يتوقّف الحبّ عن أن يكون مساحةً للسعادة والطمأنينة، ويبدأ في التحوّل إلى سجنٍ تحرسه المخاوف؟
ينظر علمُ النفس إلى الحبّ بحسبانه تجربة وجدانيّة تتشابك فيها العاطفة مع الرغبة والخيال والحاجة إلى الانتماء. فهو حالة نفسيّة تُعيد تشكيل رؤيتنا للآخر، فنرى فيه ما نتوق إليه، لا ما هو عليه بالضرورة.
وقد يجعلنا هذا الحبّ في أوقاتٍ كثيرة أكثر إشراقًا وانفتاحًا على الحياة، لكنّه قد يحجب عنّا حقائق الأشياء حين تستبدّ العاطفة بالعقل.
وبين نبض القلب وحكمة الوعي، تتحدّد طبيعة العلاقة، فالحبّ الناضج لا يُلغي الذات، ولا يستعبد الإرادة، بل يمنح المشاعر أجنحةً للتحليق، ويُبقي للوعي بصيرته، وللحرية كرامتها.
وإذا كان “الحبّ”، من منظور علم النفس تجربةً وجدانيّة تتأرجح بين لذّة التعلّق وألم الفقد، فإنّ الشفاء منه لا يعني بالضرورة محو الذاكرة، أو إعدام المشاعر، بل استعادة التوازن الداخلي، والتحرّر من سلطة التعلّق حين يتحوّل الحبّ إلى مصدر للوجع والاستنزاف.
من هنا، يفتح كتاب “هكذا نشفى من الحب” للكاتبة والشاعرة والروائية ناريمان علّوش نافذةً على رحلة الإنسان في مواجهة انكساراته العاطفية، وفهم ذاته بعيدًا من هيمنة الآخر، وإعادة ترميم ما تصدّع في أعماقه. فالشفاء ليس خيانةً للحبّ الذي عشناه، بل مصالحةٌ مع الذات، وإدراكٌ بأنّ بعض النهايات لا تنتقص من قيمة التجربة، بل تعلّمنا كيف نحبّ دون أن نفقد أنفسنا، وكيف نغادر الألم دون أن نغلق قلوبنا في وجه الحياة.
في هذا الكتاب لا ترى الكاتبة في الحبّ جرحًا دائمًا، وإنْ ترك في الروح ندبةً نتذكّرها كلّما مرّ عطرٌ يشبه الغائب، أو أعاد الليلُ ترتيب الذّكريات.
ولا تبحث الكاتبة عن وصفةٍ سحريّةٍ لمحو الذين أحببناهم، بل عن الطريق الذي يعيدنا إلى أنفسنا بعدما أضعناها على عتبات الانتظار.
“هكذا نُشفى من الحبّ” رحلةٌ في تضاريس القلب، لإعادة هندسة دقّاته: ابتداءً من العلاج بالأدب، حيث تتحوّل الكتابة إلى نافذةٍ يتنفّس منها الوجع، مرورًا بالسّؤال الأوّل: كيف نحبّ دون أن نجعل من الآخر وطنًا وحيدًا، ومن غيابه منفى لا ينتهي؟ وصولًا إلى محطّةٍ تكشف وهم التعلّق، حين نسمّي الخوف وفاءً، والاعتياد قدرًا، وتعلّقنا ببابٍ مغلق إيمانًا بفرصةٍ أخيرة قد تتلاشى.
كانّنا نصادف في هذا الكتاب تجارب حبٍّ مرّت كالفصول، يتكشّف بعضها عن علاقات سامّة، فيتحوّل الحبّ إلى هوى، والغيرة إلى قيد، والصمت إلى عقاب.
تسأل الكاتبة: هل كلّ الرجال نرجسيّون؟ وهل تشفى المرأة بطريقةٍ تختلف عن شفاء الرجل؟ والحقيقة، أنّ الألم لا يحمل جواز سفرٍ إلى جنسٍ دون آخر، وإن اختلفت طرائق التعبير عنه، ولعلّ الشفاء يبدأ حين نتوقّف عن تعميم الخيبات، ونفهم أنّ بعض الناس يؤذون لأنّهم لا يعرفون كيف يحبّون، وأنّ فهم جراحهم لا يعني منحهم الحقّ في تعميق جراحنا.
والجسد، في الكتاب، أيضًا له أرشيفه الخاصّ، يذكر لمسةً، ورائحةً، ومقعدًا شاغرًا، ثم يتعلّم، ببطءٍ يشبه انحسار البحر، ألّا ينتظر الخطوات القديمة.
تسأل الكاتبة: هل الحبّ داءٌ أم دواء؟ ولعلّه كلاهما، بحسب اليد التي تحتضنه، والحدود التي تحميه، والوعي الذي يرافقه. أمّا الشفاء، فليس أن نكره من أحببنا، ولا أن نتظاهر بأنّنا لم نحبّ، بل أن نحرّر الحبّ من وهم الامتلاك، والذكرى من سلطة الحنين، والذات من انتظار من لا يريد البقاء.
“هكذا نُشفى من الحبّ”: حين نكفّ عن سؤال الغائب: لماذا غادرتنا؟ ونبدأ بسؤال أنفسنا: لمَ ما زلنا نقيم في الذكرى؟ حين نفهم أنّ بعض النهايات ليست أبوابًا أُغلقت في وجوهنا، بل نوافذ فُتحت لنتعلّم التنفّس. وأنّ القلب، مهما أثقلته الخيبات، ليس مقبرةً للعابرين، بل أرض قادرة على استعادة الربيع، شرط ألّا نزرعها كلّ مرّةٍ بالبذور المُرّة، ثمّ نلوم المطر لأنّه أعاد إلينا الثمار ذاتها.
” هكذا نشفى من الحبّ”، عندما نعيد ترتيب البيت الداخلي بعد العاصفة، نفتح النوافذ، نغسل عتبات الروح من غبار الانتظار، ونضع على الطاولة وردةً جديدة، ثمّ نمضي، لا لأنّنا نسينا، بل لأنّنا فهمنا وشُفينا. فهمنا أنّ بعض الذين نحبّهم يأتون ليكونوا فصلًا في كتابنا، لا الكتاب كلّه، وأنّ بعض النهايات لا تأتي لتعلن موت الحكاية، بل لتمنحنا فرصة كتابة فصل لم نكن نعرف أنّنا قادرون على كتابته.
ويسرّ الكتاب في آذاننا:
لقد أحببتُم، وتألمتُم ونجوتُم… وما زال في قلوبكم متّسع لحياة لم تأتِ بعد.
وإذا كانت الكاتبة التركية إليف شافاق قد خطّت في روايتها “قواعد العشق الأربعون” خرائطَ الروح وهي تبحث عن ينابيع الحبّ، فإنّ الكاتبة ناريمان علّوش قد ذهبت إلى الضفّة الأخرى من الحكاية، وصاغت قواعد الإفلات من “العشق الممنوع”، لا لتنتقص من قداسة الحبّ، بل لتنقذ الإنسان من التيه في متاهاته، ومن أن يتحوّل القلب، وهو يبحث عن فردوسه، إلى منفىً أبديّ لروحه.
لقد امتلكت الكاتبة شجاعة الاقتراب من الجرح لتقرأ حروفه الخفيّة، وتستخرج من رماده حكمة النجاة. كتبت عن الحبّ بحسبانه نشيدًا للوصل وامتحانًا للوعي، ومواجهةً مع الأوهام التي نُلبسها ثوب القداسة، حتى نغدو أسرى صورةٍ صنعناها للمحبوب، لا لحقيقته التي تسكن خلف الستارة.
هكذا، يصبح الأدب في كتاب ناريمان علّوش ضربًا من العلاج، وتغدو اللغة في كتابها يدًا حانيةً تمسك بيد المفجوع، فيما تقوده، برفقٍ وحكمة، من عتمة الانتظار إلى فسحة التصالح مع الذات.
دار ناريمان