بدعوة من مدير معرض رشيد كرامي الدولي، وبالتنسيق مع مديرة البرامج في الإذاعة اللبنانية الإعلامية ريتا نجيم الرومي، زار وفد من الإعلاميين مدينة طرابلس، في جولة هدفت إلى التعرّف عن قرب إلى معرض رشيد كرامي الدولي، وإلى ما تختزنه عاصمة الشمال من معالم تاريخية وتراثية وحضارية، في رحلة جمعت بين عمارة الحداثة وذاكرة المدينة القديمة.
البداية من تحفة أوسكار نيماير

استُهلّت الجولة من معرض رشيد كرامي الدولي، حيث كان في استقبال الوفد مدير المعرض، الذي اصطحب الإعلاميين في جولة داخل عدد من منشآته وقاعاته، مقدّمًا شرحًا حول الخصائص الهندسية والمعمارية التي تجعل منه مساحة استثنائية قادرة على استضافة المعارض والمؤتمرات والفعاليات الكبرى.
وتوقّف الوفد عند رحابة المساحات والامتدادات الهندسية اللافتة، ولا سيما القاعة الرئيسية ذات المساحات المفتوحة الواسعة، والحلول الإنشائية التي أتاحت تحرير أجزاء كبيرة من الفضاء من الأعمدة، إلى جانب الخصائص المرتبطة بالصوت وتصميم المنشآت وتنوّع المساحات التي يضمها المعرض.
ولا تقتصر أهمية المعرض على حجمه، فهو واحد من أبرز مشاريع المعماري البرازيلي العالمي أوسكار نيماير، الذي بدأ تصميمه في ستينيات القرن الماضي. ويمتد الموقع على نحو 750 ألف متر مربع بين المركز التاريخي لطرابلس وميناء المينا. وقد شكّل المشروع في حينه أحد أبرز رموز سياسة التحديث في لبنان، ويُعد اليوم أحد أهم نماذج العمارة الحديثة في القرن العشرين في الشرق الأوسط العربي.
وفي عام 2023، أدرجت اليونسكو معرض رشيد كرامي الدولي على لائحة التراث العالمي، بالتزامن مع إدراجه على لائحة التراث العالمي المعرّض للخطر، في خطوة أكدت القيمة العالمية الاستثنائية للموقع وضرورة حمايته والحفاظ عليه.
إدارة جديدة ومشاريع تعيد الحياة إلى المعرض

وخلال اللقاء، تحدّث مدير المعرض عن المرحلة الجديدة التي يشهدها هذا الصرح، وعن الجهود التي تبذلها الإدارة الجديدة لإعادة تفعيله والنهوض به واستعادة دوره كمساحة اقتصادية وثقافية وسياحية قادرة على احتضان الفعاليات الكبرى، كاشفًا عن مجموعة من المشاريع والخطط التي يجري العمل عليها في هذا الإطار.

كما تطرّق إلى الزيارة الأخيرة التي قام بها المدير العام لليونسكو الدكتور خالد العناني إلى المعرض، شارحًا للوفد أهمية الزيارة وما حملته من اهتمام بمستقبل هذا الموقع المدرج على لائحة التراث العالمي، وما يمثله من قيمة معمارية وحضارية تتجاوز حدود طرابلس ولبنان.
وكانت الجولة مناسبة للإعلاميين لاكتشاف وجه آخر للمعرض؛ ليس بوصفه مباني ومساحات ضخمة فحسب، بل مشروعًا كان يحمل منذ ولادته حلمًا بلبنان حديث ومنفتح على العالم، ولا يزال قادرًا، إذا أُعيد إحياؤه بالشكل الذي يليق به، على أن يكون أحد أبرز محركات الحركة الثقافية والسياحية والاقتصادية في طرابلس والشمال.
ومن حداثة نيماير… إلى ذاكرة طرابلس
ومن معرض رشيد كرامي، انتقل الوفد إلى قلب طرابلس التاريخي، حيث استُكملت الجولة بين عدد من أبرز معالم المدينة، بدءًا من قلعة طرابلس، وصولًا إلى خان الصابون والأسواق القديمة، بما تختزنه من حكايات وحِرف وروائح وألوان تعيد الزائر إلى قرون من التاريخ.
وبين حجارة القلعة وأزقة الأسواق العتيقة، اكتشف الوفد مدينة لا تختصرها الصورة النمطية التي كثيرًا ما تُرسم عنها؛ مدينة غنية بالعمارة والتراث والحرف التقليدية، وبذاكرة لا تزال حاضرة في تفاصيل أبوابها وخاناتها وأسواقها ووجوه أهلها.
ورغم حرارة الطقس المرتفعة التي رافقت الجولة، بدت حرارة القلوب أعلى، وترجمتها كلمات الإعلاميين وانطباعاتهم التي عبّرت عن محبتهم لطرابلس وأهلها، وعن دهشتهم بما تختزنه المدينة من جمال وثراء تاريخي وإنساني يستحق أن يُضاء عليه أكثر في الإعلام والسياحة والثقافة.
«البيت بيتنا»… والضيافة على الطريقة الطرابلسية

ولأن زيارة طرابلس لا تكتمل من دون المرور على مطبخها ونكهاته، اختُتم النهار بدعوة كريمة من صاحب مطعم «البيت بيتنا»، حيث استُقبل الوفد على مائدة حملت شيئًا من كرم المدينة وروحها، وقُدّمت مجموعة من الأطباق التي يتميّز بها المطعم، في أجواء ودّية شكّلت خاتمة دافئة ليوم حافل بالمحطات.
وهكذا، لم تكن الجولة مجرّد زيارة إعلامية إلى معلم أو مدينة، بل رحلة بين طرابلس الحديثة التي حلم بها نيماير، وطرابلس القديمة التي حفظت حجارتها ذاكرة قرون؛ وبين الاثنتين مدينة واحدة تحاول اليوم أن تستعيد مكانها الطبيعي على الخريطة الثقافية والسياحية للبنان.
مدينةٌ قد يذهب إليها الزائر ليكتب عنها خبرًا… ثم يعود منها حاملًا حكاية.
دار ناريمان